أكد الصحفي أمزيان فرحاني، شغف الباحث في علم الاجتماع الحضري، الراحل رشيد سيدي بومدين، في الكتابة عن تاريخ الطبخ الجزائري، نظرا للجوع الذي عانى منه رفقة أبناء جلدته، أثناء فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر. قال فرحاني في الندوة التي نظمتها "منشورات شهاب"، مؤخرا، بقصر "رياس البحر"، تكريما للباحث في علم الاجتماع رشيد سيدي بومدين، إن "المجاعة" كلمة أثرت كثيرا في حياة والمسيرة الكتابية لسيدي بومدين، الذي ولد عام 1938، وتمكن من إسقاطها في كتاب عن فن الطبخ بعنوان "المطابخ التقليدية في الجزائر، فن للعيش"، وكذا كتاب "شجرة الكسكس" (وحدة وتنوع للتراث)، بالإضافة إلى إصداره كتبا أخرى عن الهندسة العمرانية، وحتى سيرة ذاتية كانت بداية ولوجه عالم الكتابة بعنوان "يا ولد". في هذا، اعتبر فرحاني أن كتاب "شجرة الكسكس" لرشيد سيدي بومدين، الذي صدر بعد وفاته في نوفمبر 2022، فريد من نوعه، شاكرا في السياق، كل المسؤولين الذين أقالوا أستاذ الاجتماع الحضري من بعض المهام التي أوكلت له، لأنه تمكن بفعل ذلك، من كتابة مؤلفات قيمة. وقد أراد مزياني أن تجرى فعاليات هذه الندوة في ظروف مرحة، نسبة لخفة ظل الراحل الذي درس في الجامعة، وتخرج علي يديه الكثير من الطلبة، مثل المتحدث، وكذا الأستاذ ناصر جابي، وفي هذا قال "كان رشيد مرحا صاحب طرفة، وكان أيضا باحثا مرموقا وكاتبا عظيما، فهو رجل متعدد المهام وواسع الأفق وطيب الخلق". وتابع أن سيدي بومدين كان ينطلق في أبحاثه من الواقع، ومن ثم يطبقها على الجانب النظري، كما كان دقيق الملاحظة وصاحب فكر مستقل، حتى أنه كان يستطيع أن يفصل نفسه عن الواقع، ليتمكن من دراسة ما لاحظه بكل عمق. تذكر فرحاني حينما التقى بسيدي بومدين لأول مرة، كان ذلك في الجامعة، حينما التحق المتحدث بتخصص علم الاجتماع الحضري رفقة ثلاثة طلاب لا غير، وقد انبهر بطريقة تدريس الباحث، وما زاد من إعجابه الشديد به، قراءته فيما بعد لكتابه الأول "يا ولد"، الذي وجد فيه عدة نقاط مشتركة بينه وبين كتابه الأخير عن "الكسكس". وعن كتاب "يا ولد"، تحدث فرحاني مطولا، فأشار إلى توجيه كل من يريد أن يتعرف على الجزائر عن قرب، قراءة ثلاثة مؤلفات هي؛ "المرآة "لحمدان بن عثمان خوجة، و"القاب وأماكن، ذاكرة الجزائر المنسية" لمصطفى الأشرف" و"يا ولد" لرشيد سيدي بومدين. وتابع أن سيدي بومدين قدم في كتابه هذا، شهادة عن جزائري عاش الويلات خلال فترة الاحتلال الفرنسي، فقد عانى من الجوع والعنصرية، وتعرض والده وأخوه للتعذيب، ومع ذلك، استغرب رشيد من طيبة والدته، حينما تحسرت على حزن أمهات قتلى المستعمر، أليس ذلك رمزا لطيبة هذه الأم اللامتناهية؟. وتدخل هنا ابن الراحل، فقال إن والده كان يعتقد أن أمه امرأة في غاية الطبية، إلا أنه كان لا يدرك ربما بأنه كان أيضا قمة في الطيبة والإنسانية، مضيفا أنه لا يفهم كيف أن والده تحمل إبعاده الدائم عن تسيير المشاريع الكبرى. عودة إلى فرحاني الذي قال، إن كتاب "الكسكس" لرشيد سيدي بومدين، قيم فعلا، فقد تناول فيه الكاتب الراحل، أوجها مختلفة عن الكسكس، مؤكدا قدرة هذه الأكلة، رغم تنوعها في توحيد الجزائريين. وعبر فرحاني عن سعادته لتصنيف الكسكس كتراث عالمي، لكنه تساءل عن عدم استغلال ذلك لصالح بلدنا، من خلال إنشاء أكاديمية خاصة به، ومتابعته عبر تنظيم العديد من النشاطات الخاصة به. كما تطرق المتحدث إلى الكثير من المهام الرسمية الكبيرة، التي أوكلت لرشيد سيدي بومدين، أو شارك فيها، مثل مشروع تحويل العاصمة من الجزائر إلى الهضاب العليا، وكذا حينما كان عضوا فعالا في اللجنة الدائمة للدراسة والتطوير والتنظيم والتخطيط لتكتل الجزائر العاصمة، مضيفا أنه كان دائما يرد بالإيجاب على كل دعوة مشروع، حبا فيه للوطن، إلا أنه كان يقال، وهو ما أسعد فرحاني الذي قال "بفعل كل هذه الإقالات، تمكن أستاذي من إيجاد وقت لكي يكتب لنا هذه الدرر، كما أصبح بعد تقاعده، خبيرا في اليونسكو". من جهته، قال مدير دار "شهاب"، عز الدين قرفي، إن الراحل رشيد سيدي بومدين، اهتم كثيرا بتحليل علاقة الإنسان بمحيطه، علاوة على دراسته لهندسة المكان، وكان أيضا ملاحظا كبيرا للمجتمع ومتابعا لتطوراته، داعيا في السياق نفسه، الطلبة، لدراسة مؤلفاته وأبحاثه. كما تحدث قرفي عن حب الراحل للمرح وثقافته العالية في عدة مواضيع، حتى أنه كان ينتقل في الحديث من موضوع يخص التكنلوجيا الحديثة إلى تاريخ طبخة ما بكل يسر، بالإضافة إلى تحليه بذاكرة قوية جدا.