يعود رمضان، شهر القرآن، ليذكّرنا أنّ عزّ هذه الأمّة لا ولن يعود إلا بالعودة إلى كتاب الله، حكاما ومحكومين، إلا بتحكيم كتاب الله في أنفسنا وبيوتنا وأهلينا، وفي مؤسّساتنا وقوانيننا ودساتيرنا. إنّه ما ذلّت الأمّة ولا هانت، وما تسلّطت شياطين الإنس والجنّ على كثير من المسلمين فجعلتهم عبيدا للأهواء والشّهوات، إلا حينما هجروا القرآن وألقوه وراءهم ظهريا.. حينما قرؤوه على الأموات ولم يحكّموه على الأحياء.. حينما تبرّكوا بتلاوته وتركوا العمل بأحكامه، حينما زخرفوا به الرّفوف والمساجد ولم يزيّنوا به القلوب والأخلاق والعوائد.. إنّه ما انتشرت الفواحش والمنكرات وصار الواحد منّا لا يأمن على نفسه ولا على عرضه ولا على ماله ولا على دمه إلا حينما أُبعد القرآن عن الحياة، إلا حينما حكّمت قوانين ونظم من وضع البشر، قوانين تنظر إلى حقّ المجرم ولا تنظر إلى حقّ الضّحية، أو تنظر إلى حقّ الضحيّة ولا تنظر إلى حقّ المجتمع، مجرمون شواذّ يرتكبون أبشع وأفظع الجرائم في حقّ الأبرياء من الأطفال والقصّر، يحكم عليهم بالسّجن لسنوات يقضونها بين أكل وشرب ونوم ورياضة، ثمّ يخرجون ليعودوا إلى ما كانوا عليه. ذئاب يعتدون على أعراض طاهرة مصونة يدنّسونها، فيحكم عليهم بالسّجن لسنوات أو لأشهر معدودات، ثمّ يطلق سراحهم لينتهكوا المزيد من الأعراض والحرمات!. والله ما كنّا لنصل إلى هذا الذي وصلنا إليه لو حكّمنا القرآن ((وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُون)). الأمم من حولنا تتّجه نحو القرآن والإسلام، والبعض منّا يأبون إلا العودة إلى الجاهلية الأولى. خبراء غربيون ينادون بتطبيق مبادئ الاقتصاد الإسلاميّ، وصحفيون نصرانيون يدعون القساوسة للنّظر في القرآن لإنقاذ العالم ممّا هو فيه. في بريطانيا تتزايد المصارف الإسلامية ويتزايد الإقبال عليها عاما بعد عام. وفي بريطانيا أيضا تتزايد أعداد غير المسلمين الذين يلجؤون إلى المحاكم الإسلامية لتسوية نزاعاتهم عاما بعد عام. ما حدا الحكومة البريطانية للسّماح بفتح محاكم إسلامية جديدة، تجاوز عددها 85 محكمة. مع عودة رمضان شهر القرآن ينبغي لكلّ منّا أن يتذكّر أنّه من واجبه أن يحكّم القرآن في نفسه؛ في باطنه وظاهره، في عباداته ومعاملاته وأخلاقه. واجب عليه أن يحكّم القرآن في بيته، على زوجته وأخواته وبناته. واجب عليه أن يحكّم القرآن في مطعمه وملبسه ومشربه وجهاز التّلفاز الذي في بيته. وواجب عليه أن يسعى لتحكيم القرآن في مكان عمله، وفي بلده، بل واجب عليه أن يسعى ليكون القرآن حاكما لأهل هذه الأرض كما هو حاكم لأهل السّماء.