نصيرة سيد علي يعد الجامع الكبير من أقدم المباني الدينية التي تم إنشاؤها بالجزائر القديمة، والذي يعد من المؤسسات الدينية التي بقيت شاهدة على مدى تمسك سكان الجزائر القديمة بتعاليم الشريعة الإسلامية، وقد أسهم هذا الفضاء الروحي في بناء الشخصية الجزائرية من خلال العلماء الأجلاء الذين تخرجوا من هذا المنبر الديني حسب المؤرخين الذين استطلعنا أراءهم حول هذا المعلم الديني الأثري، شخصيات دينية كان لها الدور الكبير في الحفاظ على العقيدة الإسلامية ونشر الدعوة وخدمة الإسلام.
الجامع الكبير بالعاصمة أو الجامع الأعظم كما يسميه الأتراك هو إحدى الفضاءات الدينية القديمة الذي بني على يد مؤسس الدولة المرابطية يوسف بن تاشفيين، وذلك حسب ما أكده لنا كل من المؤرخ والباحث في علم الآثار فرقي عز الدين والباحثة في علم التاريخ جميلة خماشو والمؤرخ مدور محمد، ويعود تاريخ تشييده حسب هؤلاء المؤرخين وحسب المصادر التاريخية إلى القرن الحادي عشر للميلاد وبالضبط في أول رجب عام 490ه الموافق ل 18 جوان سنة 1097م، هذا ما يؤكده التاريخ المنقوش على واجهة محرابه، وميزته أنه شيد على أنقاض كاتدرائية مسيحية تعود إلى العهد الروماني، حيث قام مؤسس الدولة المرابطية يوسف بن تاشفين بإنشاء الكثير من المساجد من بينها الجامع الكبير بالعاصمة، الذي صمد وقاوم محاولات هدمه وإطفاء منارته في العهد الاستعماري البغيض.
موقع الجامع العتيق
يقع الجامع الكبير أو المسجد العتيق بقلب عاصمة الجزائر بساحة الشهداء، ويعد حسب المصادر التاريخية أقدم مسجد في العاصمة، ومحاذيا لسوق كبيرة في ذاك الوقت مما جعله قبلة المصلين ووجهة لطلبة العلوم الدينية فبات الشاهد الوحيد على بريق الحضارة المرابطية بهذه المنطقة، وهذا ما أكده للحوار بوجلة أحمد إمام خطيب بمسجد عمر بن الخطاب بباب الوادي، ومتطوع بالمسجد المذكور ومشرف على سرد صحيح البخاري الذي دأب الجامع الكبير على ترتيله ابتداء من شهر رجب ليتم ختمه في ليلة السابع والعشرين من رمضان، ويتميز هذا الجامع يقول الإمام بمنبره ذي الهندسة المتفردة، والذي يعد تحفة معمارية غاية في الأهمية. اعتمد المؤرخون في تحديد تاريخ بناء الجامع الكبير بمدينة البهجة على الكتابة المنقوشة على محرابه فأضحى بذلك مادة تاريخية لا يستهان بها، وتم اكتشاف هذا الأثر التاريخي في المسجد الكبير بالعاصمة بعد 90 سنة من الغزو الفرنسي للجزائر، كان ذلك من باب الصدفة، فالمنبر الذي يصعد فوقه الإمام كل يوم جمعة لإلقاء خطبة الجمعة معروف منذ القدم، وعلى رغم تعرض المسجد لعدة هجمات للقوات الاستعمارية ارتاى معماريون فرنسيون الإبقاء عليه منهم المعماري "كريستوف" بإعادة بناء ألواح المنبر التي تآكلت ليتم تركيبها فوق هيكل حديدي متحرك، وتتضمن النقوش التي يزادن بها منبر هذا المسجد وهي مكررة ثلاث مرات بالخط الكوفي تاريخ إنشائه حسب ما ذكره "بارقاس" في مجلة الشرق الأوسط سنة 1857 كما نقلها "دفولوكس" في ترجمته لدراسة أعدت سابقا حول المباني الدينية بالجزائر العاصمة سنة 1870 أما "كولين" فقد دونها في الصفحة الأولى في مدونته التي صدرت له بالجزائر سنة 1901 لكن المثير في الأمر أنه لا أحد اهتم بموضوع النقش المعماري الذي يحمل كتابة تاريخ بناء المسجد الكبير . . وحسب المصدر نفسه فإن هذا المنبر لفت انتباه الأثريين ومؤرخي الفن الإسلامي محدثا ضجة وتضاربا بينهم.
النص المنقوش على المنبر بسم الله الرحمن الرحيم "تم هذا المنبر في أول شهر رجب من سنة تسعين وأربعمائة عمل محمد" ، وهذا المنبر الذي أعيد تركيبه على هيكل حديد متحرك يمكن إدخاله بعد خطبة الجمعة إلى غرفة مستطيلة الشكل تقع على يمين المحراب، يتألف المنبر من ريشتين تتألف كل ريشة من حشوات خشبية مختلفة الأشكال بها 45 مربعة و7 حشوة مستطيلة، ومثلثة و6 شبه منحرف كما نجد كذلك حشوات شبه منحرف والمثلثة عند قواعد القوائم وهي ذات زخارف وأشكال هندسية وأخرى نباتية بديعة و رائعة، كما يوجد به واجهة ذات باب معقود يقدر ارتفاعه ب 2 م به سبعة سلالم تقابله جلسة تدعى بجلسة الخطيب ويقدر عمق المنبر ب 2,60 م، لقد حدد عقد الباب بشريط به زخارف كتابية كتبت بالخط الكوفي تنتهي الكتابة بتاريخ إنشاء هذا الجامع.
هندسة أنيقة من طراز أندلسي
يتربع الجامع الكبير بالعاصمة على مساحة قدرها 2000م مربع 46,30 م * 22,30 و هو ما أعطاه شكلا مستطيلا، وهي ميزة المساجد المرابطية ويشبه إلى حد كبير الجامع الكبير بتلمسان ومساجد الأندلس، وهذا الشكل أيضا اعتمدته الدولة العثمانية بعد دخولها إلى الجزائر في بناء مساجدها ويتجلى ذلك في مسجد سيدي رمضان الكائن بالقصبة السفلى بالعاصمة، زينت جدران هذا الجامع بزخارف بسيطة في شكلها وجميلة في رونقها، أضفت عمقا وإشعاعا حضاريا أضاء دهاليز التاريخ البشري، على سور المحيط بالجامع نلاحظ عدة مداخل، أهمها مدخلان رئيسان أحدهما مفتوح مباشرة على فناء المسجد و الآخر بمحاذاته إضافة إلى بابين آخرين يخترقان جدار القبلة أحدهما على اليمين ويمثل مدخل قاعة الصلاة والآخر يمثل مدخلا إلى مقصورة الإمام، ويلاحظ كذلك أن فناء الجامع الكبير هو أيضا مستطيل الشكل أي 20,80 م في الطول و 10,80م في العرض أما باحة الصلاة فتتكون من 11 بلاطة عمودية على جدار القبلة و 9 بلاطات موازية له بها منبر قيل إنه جيء به من مسجد "السيدة" الذي هدمته الإدارة الفرنسية سنة 1832 على خلفية إشاعة وجود كنز دفين مكان وجود ذلك المسجد على حد تصريح الأستاذ فرقي عز الدين، أما السقف فله انحداران مغطان بقرميد تنحدر منه أقواس موصولة بالحائط العمودي وموازية للمحور الأكبر تشبه حذوة الفرس ويوحي الشكل العام لهذا الجامع بملامح الجامع الكبير بتلمسان والمسجد الكبير بقرطبة، وما يجلب الانتباه في الزخارف التي تغطي مساحات الخشب والممزوجة بمستقيمات ومنحنيات تلك البصمة المرابطية الساحرة التي زادت الجامع جمالا و بهاء. كان عرضة لضربات العدو
وقوع الجامع الكبير بالعاصمة على الواجهة البحرية جعلته عرضة لقذائف العدو، حيث تعرض للقصف المدفعي أثناء المواجهات بين خير الدين وبابا عروج والمد الإسباني، الأمر الذي أسقط الجزء الأكبر منه وقلص مساحته التي كانت تمتد إلى غاية الساحل البحري، حيث تعرضت صومعته للهدم والكثير من أرجائه وفي هذا الصدد يقول الأستاذ فرقي عز الدين أن الرواق الخارجي للجامع الكبير الحالي قد استحدث من قبل الإدارة الفرنسية التي خططت مرارا لهدمه وقد استقدمت تلك الأقواس المصنوعة من الرخام الإيطالي من مسجد "سيدة" لتزيين واجهته وإعدادها لاستقبال نابليون الثالث حين قام بزيارة للجزائر.
منارة للعلم ومركز إشعاع حضاري
وحول أهمية المسجد ودوره في نشر الرسالة المحمدية والتعريف بمبادئ وأصول الدين الإسلامي الشيخ بوجلة أحمد أن الجامع كان و لايزال قبلة للعلم والعلماء و مركز إشعاع حضاري وفكري يؤمه الناس من كل فج عميق، وكان في سابق عهده يقوم مقام جامع الزيتونة، حيث تخرج منه كوادر وعلماء أجلاء حملوا على عاتقهم لواء بعث أصول الدين الإسلامي، أما عن المذهب السائد فيه أوضح بوجلة أنه المذهب المالكي منذ إنشائه، وهو المذهب السائد في المغرب العربي، وأنه بقي محافظا على بعض الطقوس والنشاطات الدينية التي كانت تقام في السابق منها حفاظه على قراءة صحيح البخاري الذي يشرع في قراءته مع بداية شهر رجب ويختم في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان وهي عادة حسب ما أضاف الإمام كانت تمارس في عهد الولي الصالح سيدي عبد الرحمن الثعالبي، كما يحتضن المسجد حفلات التي تقام في مناسبات دينية وتوزع من خلالها جوائز للفائزين في المسابقات الفقهية والفكرية.