لطالما اشتهرت حظيرة القالة في ولاية الطارف، بفسيفسائها الطبيعية ومسطحاتها المائية التي جعلت منها قبلة للملايين من عشاق البيئة عبر العالم، بيد أنّ شبح التلوث يهدد توازنات هذه الرائعة الجزائرية الحيّة التي باتت تفتش الآن عن صناعة صديقة، وهو ما تتطرق إليه "السلام" في التقرير التالي. ومع ارتفاع حدة التصنيع ووتيرة الإنشاءات العامة في الجزائر، تثور مخاوف كبرى إزاء مستقبل حظيرة القالة المحاذية للحوض المتوسطي، وتعدّ هذه الحظيرة الأوسع من نوعها في الجزائر بمساحة تقدر ب76438 هكتار، ويشكّل جبل "الغرة" أعلى نقطة فيها ب1202 متر. يشير الأستاذ "رفيق بابا أحمد" الذي سبق له إدارة الحظيرة ولا يزال شديد الارتباط بها، إلى أنّ زحف الاسمنت ينذر بابتلاع خضرة هذا المكان الذي يضم ثلاثة شواطئ، وثلاث محميات، ويحتوي على خمسين نوعا من الطيور وأنواعا عديدة من الحيوانات الأخرى. ويركّز بابا أحمد، بشكل خاص على التهديد الأكبر المتمثل في مشروع الطريق السيار شرق-غرب الممتد من الحدود الجزائرية-المغربية، إلى الحدود الجزائرية-التونسية، ويعبر على حظيرة القالة، حيث يشدّد بابا أحمد على أنّ الطريق يضرّ ببيئة الحظيرة، ما جعل العديد من أبناء القالة وكذا جمعيات البيئة المحلية تتحرك على نحو واسع باتجاه البرلمان ومختلف الهيآت الرسمية لتدارك الموقف، وتحصين من توصف ب"جنة الطيور المهاجرة" ضدّ ما ينعتونها (موجة التزفيت). ويُضاف المحذور الآنف الذكر، إلى فضائح النهب المبرمج لثروات القالة، حيث يستهجن سكان محافظة الطارف، البتر المستمر للأشجار بزعم دفع صناعة الخشب، والاعتداء على الشريط الغابي، وما يكتنف إهمال خمسة ملايين شجيرة من الزيتون البري الموجود بكثافة في المنطقة. بهذا الصدد، يبدي جمال، حمزة، فؤاد وغيرهم من سكان منطقة القالة، انزعاجا من كون مشروع الطريق السيار سيقضي حتما – برأيهم - على "الرئة" التي يتنفسون بها، ويذهب الثلاثة إلى وصف القالة ب"الإرث الوطني" الذي ينبغي أن تحميه الدولة لا أن تدوس عليه، وهو أمر تشاطره أمينة وآمال وزينب اللواتي يعربن عن مخاوفهنّ إزاء حركة التصنيع التي ستشهدها منطقتهنّ بموجب المخطط الخماسي (2010 – 2014) وما ينطوي عليه ذاك المخطط من ورش عملاقة ستكون لها ثمة أضرار على مآقي الطبيعة، على حد تعبيرهنّ. وإزاء هذه الخشية المتنامية، يبرز رشيد أوزرود، الذي يدير مرصدا محليا لرقابة ومتابعة التسيير البيئي، أنّ هيئته حريصة على عدم المساس بحظيرة القالة، وجعل خطة التصنيع متناغمة مع منظومة البيئة، بما يخدم المنطقة ويرتقي بها إلى مستوى قطب عملاق اجتماعيا واقتصاديا، مع المحافظة على خصوصية بيئتها وما تمتلكه من كنوز. بالمقابل، يقول متحدث باسم مديرية الأشغال العمومية، أنّه ليست هناك أي مخاطر يمكن للطريق السيّار أن يشكلها على الحظيرة وبحيراتها، على العكس تماما – يضيف محدثنا - سيفتح آفاقا واعدة لجوهرة الجزائرالشرقية، من خلال إزالة المفرغة الفوضوية الضخمة التي كانت موجودة، ناهيك عن اتاحتها فتح مسالك للمزارعين واستحداث فضاءات طبيعية إضافية، فضلا عن توسيع النسيج الغابي للحظيرة إلى حدود الألفي هكتار وإعادة بعث الغطاء النباتي. ويدافع المسؤول ذاته عن وجهة النظر الرسمية، بتأكيده على أنّ المصالح المكلفة بإنجاز المشروع إياه، استعانت منذ البدء بأحواض خاصة لاستيعاب وتوظيف الزيوت وكذا الوقود الموظف في تشغيل عموم الآليات، كما يلفت غول، أنّ الجهات المختصة أنجزت جدرانا واقية من الضجيج الذي ينّد عن المركبات، وذلك لتوفير الجو الهادئ للطيور والحيوانات التي تتخذ من القالة مُقاما لها. ويضمّ الخبير نذير هجرسي. والأستاذ أحمد ذبّاح، صوتيهما إلى مؤيدي مرور الطريق السيار بالقالة، حيث يلتقيان في كون المشروع يلاين الطبيعة ويقاوم أضرارها، ويؤيد كل من هجرسي وذبّاح تكثيف حركة التصنيع بمحيط الحظيرة، ويبرر موقفه بكون ما هو واقع سيبث ديناميكية ويفك العزلة عن القالة التي بقيت محرومة من مشاريع تنموية في غاية من الأهمية، كالبنى التحتية والمرافق الاجتماعية، وذلك لا يتعارض حسبهما مع رهان المحافظة على البيئة والتوازن الإيكولوجي في المنطقة. وبجانب إلحاحهما على حتمية عدم الخلط بين متطلبات التنمية ومقتضيات الحفاظ على البيئة، يُسجل هجرسي وذبّاح أنّ كتلة المشاريع المبرمجة، خصوصا الطريق السيار وبناء مرافق سياحية، ستمكّن عددا أكبر من السياح من الوصول إلى القالة في زمن قصير والإقامة بها في ظروف أفضل، خلافا لما ظلّ قائما منذ سنوات طويلة بهذه المنطقة الساحلية الزاخرة بالفلين والمرجان وكثير من أنواع الأسماك. وتعد القالة أكثر المناطق رطوبة في العالم، ويوجد بالحظيرة 964 نوع نباتي و617 نوع حيواني وحوالي 60 ألف رأس من البط، وهي مصنفة من المناطق الرطبة التي تهاجر إليها الطيور، وتتميز باختلاف تضاريسها ومناظرها، فهي بحرية، هضبية، صحراوية وجبلية. وتمتاز القالة بشاطئ "الحناية" الخلاب الذي يقع تحت منحدر جبلي، ويستقطب سنويا أزيد من مليون مصطاف، وهو عدد مرشح للارتفاع بالنظر إلى نظافته وجماله، حيث يشكل هذا الشاطئ مقصدا للكثيرين من المصطافين الذين يأتون إليه من جميع أرجاء البلاد وخارجها. وتنفرد القالة أيضا بالطيور المائية التي تتكاثر عبر مسطحاتها الرطبة، خصوصا تلك التي تبني أعشاشها مثل البط الزقزاق وهو في تكاثر ملحوظ، حيث لم يكن تعداده يقارب أحد عشر ألف رأس، ليصير بحدود 30 ألفا، وبين الطيور التي يُسجل تزايد في أعدادها البط ذي الرأس الأبيض وهو طائر نادر، ويقدّر عدده حاليا ب1300 طائر مقابل 740 طائر فقط العام 2008 وذلك ببحيرة "طونقة" التي تعد موقعا مفضلا له.