قدّم المخرج التونسي الفاضل الجزيري، تجربة سينمائية تونسية محترمة، تنمّ عن تطوّر الفعل السينمائي في تونس بشكل يبشر بخير، سواء من حيث الشكل أو المضمون، خاصة وأن فيلم الجزيري يؤرّخ فنيًا لفترة مهمة في تاريخ تونس الحديث. “ثلاثون”، الذي عُرض قبل سنتين خارج منافسة الطبعة الثالثة من “المرحوم” مهرجان الفيلم العربي بوهران، يستحضر فيه فاضل الجزيري، سينمائيًا، أعلام تونس خلال ثلاثينيات القرن الماضي، في سيرة الشخصية الرئيسية الطاهر الحداد، صاحب كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”، هذا الأثر الذي كان لعنة على صاحبه وأوّل نصوص الحداثة للمجتمع التونسيّ، أوّل تهديد للمؤسّسة الدينية وللمؤسّسة الاجتماعيّة التقليديّة المحافظة. حضرت في “ثلاثون” أيضا شخصية أبو القاسم الشابي، شاعر بسيرته يحاول أن يتمرّد على نواميس الكتابة وعلى أسر تقاليد الأسرة. ومعه علي الدوعاجي، يروي بسخرية ويدفع من معه للانفلات من الحدود. وقد افتتح هذا النصّ السينمائيّ المناضل النقابيّ محمد علي الحامّي، خطيبا ومحرّضا وثائرا ورافضا ومؤسّسا لأولى نقابات تونس “جامعة عموم العملة التونسيين”. كما حضر أيضا، في فيلم الجزيري الحبيب بورقيبة؛ في صورته الأولى شابّا يؤسّس لمرحلة سياسية جديدة ويتمرّد على مؤسّسة الحكم. الفيلم سيرة ذاتية فنّية للطاهر الحداد، ومن يصارعون المُؤسّسة الدينية ويُصارعون مؤسسة سياسية برأسين: النظام الاستعماريّ الفرنسيّ ممثّلا في المقيم العام، والباي الحاكم التقليديّ للإيالة التونسية. ورغم أنّ المُخرج عاد إلى شخصية بورقيبة في مشاهد كثيرة ليرسُم لحظة عزمه المواجهة، ولكنّ الزمن التّاريخيّ لم يمكّن زمن الحكاية السينمائيّ أكثر من ذلك، والفيلم سينتهي بوفاة الحدّاد. وإلى ذلك الحدّ ذهب بورقيبة إلى المُعتقل لتنتهي الحكاية مفتوحة على الاحتمالات الموثقة تاريخيا.. يمكن اعتبار فيلم الجزيري فيلما توثيقيّا، لأنه وثّق لفترة تاريخية محدّدة ولكنه لا ينسب إلى الأفلام الوثائقية بمعناها المتعارف عليه في الصناعة السينمائيّة. وقد كان لاستعمال الأرشيف المُصوّر دور كبير في جعل المُشاهد داخل ذلك الفضاء التاريخيّ فعلا بما للمكان والناس “الحقيقيين” والمدينة من روائح اللونين الأبيض والأسود. ولم تكن تلك المشاهد “الأرشيفية” مسقطة على كلّ حال؛ بل إنّها أثْرت العمل وقرّبت الزمن، وجعلت الوثيقة خادمة للمُنجز السينمائيّ الجديد. فيلم “ثلاثون”، الذي حقّق الاكتشاف بالنسبة إلينا قبل سنتين في مهرجان وهران، وأدار رأسنا إلى جهة الشرق أين تنتج سينما جديدة وجادة، يعرض هذه الأيام وإلى غاية نهاية الشهر، بقاعة الموقار بالعاصمة، في ظرف زمني خاص، مُدوزن على ما بعد ثورة تونس الحديثة، لذلك ستكون مشاهدة فيلم “ثلاثون” لفاضل الجزيري، مجددا، مفتوحة على زوايا تلقّي أخرى، تستحقّ الحضور.