الجزائر تعرض بجنيف مشروع قرار حول مكافحة الألغام المضادة للأفراد    العدوان الصهيوني على غزة: ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 50609 شهيدا و 115063 مصابا    المغرب: الحقوقي البارز المعطي منجب يدخل في إضراب جديد عن الطعام    دي ميستورا يزور مخيمات اللاجئين الصحراويين اليوم الجمعة    القمة العالمية الثالثة للإعاقة ببرلين: السيد سايحي يلتقي وزيرة الشؤون الاجتماعية الليبية    الاتحاد العام للتجار والحرفيين يشيد بالتزام التجار بالمداومة خلال عطلة عيد الفطر    القانون الأساسي والنظام التعويضي لأسلاك التربية : الوزارة تستأنف اجتماعاتها مع النقابات    مشروع إعادة تأهيل غابات البلوط الفليني : استكمال مرحلتي التشخيص والتعداد البيولوجي عبر المواقع النموذجية    كلثوم, رائدة السينما والمسرح في الجزائر    السيد بداري يترأس اجتماعا تنسيقيا لدراسة عدة مسائل تتعلق بالتكوين    اتحاد الكتاب والصحفيين والادباء الصحراويين: الاحتلال المغربي يواصل محاولاته لطمس الهوية الثقافية الصحراوية    وزارة الدفاع الوطني :حجز 41 كلغ من الكوكايين بأدرار    حيداوي يتحادث بأديس أبابا مع وزيرة المرأة والشؤون الإجتماعية الاثيوبية    حج 2025: برمجة فتح الرحلات عبر "البوابة الجزائرية للحج" و تطبيق "ركب الحجيج"    بشار تستفيد قريبا من حظيرة كهروضوئية بطاقة 220 ميغاوات    سوناطراك تبحث دعم الشراكة مع "سيبسا" الإسبانية في الطاقات النظيفة    عطاف يتلقى اتصالاً هاتفيا من نظيره الفرنسي    ربيقة يبرز ببرلين التزامات الجزائر في مجال التكفل بالأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصة    أوبك+ : عرقاب يشارك السبت المقبل في الاجتماع ال 59 للجنة المراقبة الوزارية المشتركة    حج 2025: برمجة فتح الرحلات عبر "البوابة الجزائرية للحج" و تطبيق "ركب الحجيج"    الفروسية: المسابقة التأهيلية للقفز على الحواجز لفرسان من دول المجموعة الإقليمية السابعة من 10 إلى 19 أبريل بتيبازة    كرة القدم/ترتيب الفيفا: المنتخب الجزائري يتقدم إلى المركز ال36 عالميا    الصندوق الجزائري للاستثمار يتوسع عبر الوطن    تحديد شروط عرض الفواكه والخضر الطازجة    التزام مهني ضمانا لاستمرارية الخدمة العمومية    جمعيات تصنع لحظات من الفرح للأطفال المرضى    غزّة بلا خبز!    المولودية تنهزم    قِطاف من بساتين الشعر العربي    48 لاعباً أجنبياً في الدوري الجزائري    ثامن هدف لحاج موسى    الجزائر تطالب مجلس الأمن بالتحرّك..    سونلغاز" يهدف ربط 10 آلاف محيط فلاحي خلال السنة الجارية"    سجلنا قرابة 13 ألف مشروع استثماري إلى غاية مارس الجاري    مراجعة استيراتجيات قطاع الثقافة والفنون    أشاد " عاليا" بأداء إطارات و مستخدمي كافة مكونات القوات المسلحة    استشهاد 408 عاملين في المجال الإنساني بغزة    فتح معظم المكاتب البريدية    الجزائر تودع ملف تسجيل "فن تزيين بالحلي الفضي المينائي اللباس النسوي لمنطقة القبائل" لدى اليونسكو    تضامن وتكافل يجمع العائلات الشاوية    الجزائري ولد علي مرشح لتدريب منتخب العراق    ترحيب واسع من أحزاب سياسية وشخصيات فرنسية    مرصد المجتمع المدني يخصص يومين للاستقبال    مشاورات مغلقة حول تطورات قضية الصحراء الغربية    شتوتغارت الألماني يصرّ على ضم إبراهيم مازة    حضور عالمي وفنزويلا ضيف شرف    "تاجماعت" والاغنية الثورية في الشبكة الرمضانية    فتح باب المشاركة    بلومي يستأنف العمل مع نادي هال سيتي الإنجليزي    برنامج خاص لتزويد 14 ألف زبون بالكهرباء في غرداية    تنافس كبير بين حفظة كتاب الله    فتاوى : الجمع بين نية القضاء وصيام ست من شوال    اللهم نسألك الثبات بعد رمضان    توجيهات وزير الصحة لمدراء القطاع : ضمان الجاهزية القصوى للمرافق الصحية خلال أيام عيد الفطر    لقد كان وما زال لكل زمان عادُها..    6288 سرير جديد تعزّز قطاع الصحة هذا العام    أعيادنا بين العادة والعبادة    عيد الفطر: ليلة ترقب هلال شهر شوال غدا السبت (وزارة)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في إطار تعميم الثورة ونشرها.. 20 أوت
نشر في الفجر يوم 20 - 08 - 2014

من أجل حشد وتعبئة الشعب للثورة قمت باختيار مكان ليقيم فيه عند أحد الأشخاص اسمه اليازلي، فأنتقل زيغود إلى منزل اليازلي، وبدأنا العمل والاتصالات عن طريق بوسنان حمّده، وكان بوسنان مناضلا في الحركة الوطنية وعلى اتصال بمناضلي الناحية ، وقد لعب بوسنان دورا كبيرا ومهما في تجنيد الناس وتعميم الثورة، نتيجة لعلاقته الجيدة مع كل الأطراف، دامت إقامة زيغود في منزل اليازلي مدة معتبرة ،فقمنا بتغيير المكان إلى مكان آخر، وانتقل زيغود للإقامة في بيت بن لعور، وفي أحد الأيام تفاجأنا بهجوم وحدة صغيرة من الجيش الفرنسي، وكانت نتيجة الهجوم أن قتلوا صاحب البيت وعددا من أفراد العائلة وتم حر ق البيت بشكل كامل وهجرت القرية كلها تقريبا، بعد هذا الحادث المأساوي الذي ترك أثره الكبير في نفوس الناس بينما لانزال في بداية الثورة، قام زيغود بالعودة إلى القرية كالعامة لتفقد الناس بعد كل حادث كي يرفع معنوياتهم ويفهمهم أننا معهم، إلا أنه عندما شاهد الدمار الحاصل وتأثيره على نفوس الناس انزعج كثيرا، وكان من طبيعته أنه عندما ينزعج يقوم بالمشي جيئة وذهابا والتحدث بينه وبين نفسه بصوت يكاد يكون مسموعا، فجأة وقف زيغود، وكان قريبا مني، واتجه إلى الجميع قائلا إنه يجب أن يكون ردّ فعلنا على الدرجة نفسها من القسوة التي قاما بها كي نثبت لشعبنا أننا نحن أيضا قادرون على الضرب في الصميم، طبعا، قال زيغود هذا الكلام بانفعال، وكان قد بدا أنه أخذ قرارا بالأمر أو أن هذه الحادثة قد حرضته أكثر على أمر كان يفكر فيه.
قبل هذه الحادثة بأيام جاء أحد الأشخاص واسمه، زيعد (إسماعيل)، وهو رجل ذكي وسريع البديهة، وكان موجودا عندما تحدث زيغود، ففهم ما كان يريده وبدأ يحضر أفكارا وتصورات للعمل مع زيغود، فتحول زيعد إلى شريك لزيغود، وذلك نتيجة لثقافته وتكوينه وخبرته، وبدأ بالتفكير الجدي للقيام بعمليات موجعة للفرنسيين، وكانت العملية الأولى في شمال قسنطينة وهي عبارة عن كمين للقوات الفرنسية.
كنت قد انضممت وقتها للفوج بقيادة المجاهد عمر طلاح وقمنا بهذه المهمة ما بين سكيكدة والقل، وكان أول كمين في منطقة شمال قسنطينة، كان الفوج مسلحا بسلاح تقليدي خفيف وهو عبارة عن بنادق صيد ورشاشات خفيفة. طبعا كان الكمين جس نبض للعدو وإفهامه أن الثورة عامة في جميع المناطق.
كان رد الفعل جديا، إذا بدأ الجيش الفرنسي يجلب القوات ويحريكها نحو مختلف المناطق، وعليه فقد اقتنع زيغود أن فكرة الكمين كانت جيدة وأدّت المرجوّ منها في إرسال رسالة للعدو من جهة، وفي الاستفادة من العملية للتحضير لعمليات لاحقة من جهة أخرى. بدأ العمل بعد هذه العملية بشكل مكثف وسريع من ناحية جلب الأسلحة والتعبئة الشعبية حتى نهاية مايو، وتم تحضير عدة أفواج على مستوى شمال قسنطينة وكلف كل فوج بمهمة، وكانت هذه المهمات في أغلبها كمائن وعمليات فدائية تشمل حرق الممتلكات الفرنسوية وقطع الاتصالات الهاتفية وقطع الأعمدة، وبشكل عام كانت المهمة هي التخريب العام، نفذت هذه العمليات بنجاح وهو ما أعطى ديناميكية للعمل، ذلك أن المنطقة عموما كانت مشهورة بانضباطها وتعدّ من المناطق المسيطر عليها بشكل كامل.
بعد فترة من هذا الأمر تكونت الفكرة عن زيغود أنه قائد يمسك بزمام الأمور ويمتلك القدرة على القيام بأي عمل عسكري أو سياسي يكون له تأثيره القوي على العدو، لم نكن نعلم أن كل ما قمنا به كان جسّ نبض للمستعمر وتحضيرا للعمل الأكبر والأهم وهو هجوم أوت عام 55.
في تلك الفترة كانت طريقة تعاطي الفرنسيين مع الثورة أنهم يركزون هجماتهم على منطقة دون الأخرى لإنهاكها ومن ثم التوجه إلى منطقة تالية وهكذا. وقتها كان التركيز منصبا على الولاية الأولى على أساس أن انطلاقة الثورة كانت قوية فيها إضافة إلى أنها منطقة صعبة تضاريسها الجبلية كما أن العمليات المؤلمة التي حدثت في الولاية الأولى جعلت الفرنسيين يركزون عليها، فكانت فكرة زيغود التخفيف عن الولاية الأولى بعملية كبيرة يكون لها صدى سياسي وعكسري وتأثير قوي على الجيش الفرنسي الذي تمركز في الشرق الجزائري بشكل عام، فبينما بدأت الحملة العسكرية الشرسة على الأوراس، وكانت مترافقة بدعاية نفسية هائلة، إذ صرح الجنرال بارلانش يومها أنه سيجعل من الأوراس قبرا للتمرد الجزائري، كانت الأخبار تأتي إلى زيغود، الذي كان مولعا بالراديو والأخبار، حول شراسة الحملة، وقد تلقى حينها رسالة من بشير شيحاني يخبره فيها عما يفعله المستعمر في الأوراس ويقترح عملا عسكريا وإن محدودا يخفف الضغوط والحصار الشديد المضروب عليها، وهذا ما كان يشغل بال زيغود فعلا، إلا أنه لم يكن يفكر بعملية محدودة تزول آثارها بعد حين، كان هاجس زيغود بنقل المعركة من الريف الجزائري والجزائر ككل إلى العالم كله. فجاءت رسالة شحاني تسريعا لما كان يدور في ذههنه، فقرر القيام بهجوم نوعي.
توزيع مهام العملية
انتقل زيغود بتجهيزاته من قرية بوسفور إلى فرتر الزمام وذلك في نهاية شهر جوان بتحديد مهام والتأكيد على تنفيذ ذلك. فتم تحديد نقاط الهجوم وعينت الوحدات لذلك وضبطت كل الاجراءات المادية والبشرية للعمل الكبير: هجوم 20 أوت 55 وبالتالي فقد جند أكثر من 50 إطارا ومسؤولا زيادة عن المساعدين لهولاء القادة حيث يذهب كل شخص إلى ناحيته لدراسة الأولية والاستطلاع من جميع النواحي ويعرف مدى تجاوب الناس معه وحجم حماسهم للأمر شن هجوم عام في يوم واحد وساعة واحدة وكان يفكر باليوم المناسب لشن الهجوم فوقع اختياره على يوم 20 أوت 55 وهو توقيت له مدلول سياسي، فهو اليوم الذي يصادف فيه ذكرى نفي محمد الخامس والمظاهرات التي ستقوم يوم نفيه، لكي يشعر الفرنسيين أن هناك تنسيقيا بين المغرب والجزائر وأن العمل يتعلق بالمغرب العربي عموما، وأعطى التعليمات لتنفيذ الهجوم، وتقرر أن يكون التوقيت في الساعة الثانية عشرة ظهرا، وكان 20 أوت بكل تفاصيله هو قرار لزيغود يوسف بلا منازع.
وفي اجتماع الكدية عرفنا أن فكرة زيغود لم تكن التخفيف عن الولاية الأولى بعملية كبيرة وحسب وإنما عملية يكون لها صدى سياسي وعكسري كبير وتأثير قوي على الجيش الفرنسي الذي تمركز في الشرق الجزائري بشكل عام، وكذلك أنه كان يريد إحداث نقلة نوعية في مسار الثورة وعلى جميع الأصعدة.
20 أوت.. العملية ونتائجها
بدأ الهجوم في موعده المقرر، ومن الساعة الثانية عشرة ظهرا وحتى الخامسة مساء بلغ تعداد الضحايا بحدود اثنى عشر ألف شخص من الجزائريين وعشرات من الفرنسيين، لكن النتيجة كانت التفاف الجزائريين عموما حول الثورة ووقعت القطيعة النهائية بين الفرنسيين والجزائريين وهذا ما أعطى إيمانا أكبر لكل جزائري في إمكانية المقاومة والانتصار، ولكي لا أظلم أحدا أقول في كل الفترة التي عشتها من نوفمبر 54 لغاية عام 62 داخل الجزائر كان كل محاهد يفكر كيف يخدم هذه الثورة ويساهم في نجاحها بغض النظر عن أفكاره السياسية أو أي شيء آخر، وذلك لأن أهداف الثورة كانت واضحة وخلقت إرادة عند الناس وقناعة أنهم مشوا في هذا الطريق فإما الانتصار أو الموت، وكان ماهو واضح في الأفق أننا لا نملك قوة ولا آلة عسكرية نقف بها ضد الآلة العسكرية الفرنسية إلا أننا قمنا جميعا بالتضحية، وعندما يقبل شعب بالتضحية ويقدم على الموت راضيا لا تستطيع قوة في الأرض ردة أو مجابهته.
بعد هذا العمل الكبير الذي أعطى ديماكيكية كبيرة من الناحية السياسية وأظهر للعالم أن هذه الأحداث ليست تمردا إنما هي قضية تحرر شعب من ريقة الاستعمار، وليست أحداثا داخلية كما كان يصورها الإعلام الفرنسي ومواقف الساسة الفرنسيين، الذين كانوا يقولون في الأمم المتحدة أن مايحدث في الجزائر مسألة فرنسية داخلية، لكنه اتضح للعالم أجمع أن ذلك هو كفاح تحرري وانتقلت الفكرة إلى الجالية الموجودة هناك داخل فرنسا وأوروبة بشكل عام، فكانت النتيجة إدراك كل وفود الجمعية العامة لهذا العمل الكبير، وهي تعبير الشعب عن همومه في تقرير الماصير.
القيادة أمسكت أكثر بزمام الأمور فمن ناحية العمل أصبحنا نتحرك في الليل وفي جزء من النهار بشكل كامل وفي كثير من المناطق، وبدأنا ننظم أمور الناس بإحداث مجالس على مستوى كل قرية تخص شؤون حياتهم من الاقتصاد والتموين إلى المحاكم وكان التفكير كله يصب في تحضيرهم أكثر للعمل والمواجهة، وهذا بمعنى أننا قمنا بتكوين مجالس على صيغة شبه دولة داخل الدولة تدير أمور الناس وتهتم بشؤونهم كلها. وهذه المجالس كانت تنشأ بانتخابات مباشرة في القرى وأماكن التمركز الشعبي، وبدأنا التنظيم مركزين على موضوع الشعب لأن الناس بدأو يقتنعون بإمكانية الانتضار وكان علينا تعزيز هذه الأفكار عندهم وذلك مقارنة بما كان على الوضع والظروف عندما بدأنا الثورة وكنا مجموعة صغيرة من الأشخاص، فبينما كانت الأوضاع أن القرية التي يوجد فيها رئيس مخفر فرنسي واحد كان يأمر القرية مثلما يريد ويمثل أعلى السلطات فيها فيقضي ويسجن ويمنع ويعطي على هواه، أي كان شرطي واحد يحكم آلاف الجزائريين، اختلفت الأمور بعد العمل الكبير الذي قامت به المقاومة الجزائريية، وبدأن الناس يتحررون من واقعهم ويرفضونه لأنهم اصبحوا يقتنعون بإمكانية تغيير الوضع القائم والانتصار هذا ما جعلهم يعتزمون على التضحية إلى درجة أننا كنا نعين مسؤولين للقيام بأعمال معينة وتنظيم مجموعات حيث كان الشخص الذي يعين مسؤولا يعرف مسبقا أنه ذاهب إلى الموت لأنه سيكون مثال الشجاعة والتضحية لمجمعته، وكان البعض منهم يستشهد قبل الالتحاق بمهمته أو في الطريق إليها وهو ما أعطى القيادة تشجيعا مبررا قويا للاستمرار. ومن نتائج 20 أوت أن المعمرين بدأوا ينتقلون إلى المدن ويهجرون القرى بشكل كامل وهذا ما أحدث رد فعل إيجابي كبير عند الناس، إذ تم الإعلان عن قرية فرنسية كاملة للبيع وهي قرية “ الركنية” بالقرب من عزابة وقد خرج الإعلان بمانشيت كبير في جريدة قسنطينية “لاديبيش“ واقتنع العالم أن هناك شعب اسمه الشعب الجزائري يقوم بثورة ضد المستعمر الفرنسي، لا بل كان من نتائج أوت أيضا أن الفرنسيين أنفسهم عرفوا أن ما بعد هذا اليوم لن يكون مثل الذي قبله.
ومن الآن فصاعدا سيكون هناك وضع قبل 20 أوت ووضع جديد ما بعد 20 أوت 55 وهذا يعني أن الهجوم نقل المعركة إلى داخل فرنسا، إذ كسر أهم الفرنسيين على الثورة وأنهم سيحسمون نهايتها في الأوراس التي كانوا يضيقون الحصار عليها، فبدد الهجوموهامهم وتم التخفيف عن الأوراس من جهة، ومن جهة أخرى كسب الثوار كثيرا من الأسلحة التي كنا نحتاجها، إضافة إلى أنه عزز ثقة الجزائريين بحتمية انتصار الثورة وأن طريق الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد الذي يمكن الجزائريين من نيل استقلالهم، فبينما كانت السلطات الاستعمارية تحضر لانتخابات جانفي 56 كي تحظى ب”مفاوض شرعي” كما كانت ترغب، جاء 20 أوت لينسف أحلامها ولتعترف ضمنيا، وإن بشكل غير مباشر، أن الأمور تغيرت كثيرا ولا سبيل لها إلا بتغيير طريقة التعامل كلها، فقامت بفرض “حالة الطوارئ” التي عنت المزيد من القمع والشراسة الاستعمارية وأصبح كل جزائري عرضة للاعتقال والقتل لمجرد أنه النسبة وهذا يعني أن 20 أوت قد فصل فصلا تاما ونهائيا بين الجزائريين والفرنسيين وحمّل الجزائريين كلهم مهمة نجاح الثورة وانتصرها، فلم يعد هناك من اختلاف سياسي أو أيديولوجي وإنما الهدف الأسمى هو نجاح الثورة بالمساهمة فيها كل حسب قدرته.
النتيجة الأكبر.. مؤتمر الصومام
إن النتائج التي ترتبت على 20 أوت من حماس الجزائريين كلهم للثورة واصطفافهم إلى جانبها، وضعت زيغود يوسف أمام أعباء كثيرة وكبيرة يبدو أنه أحس بثقلها عليه، وهي أن الجزائر كلها عقدت الآمال على الثورة وبالتالي أحس وكأن أمانة الأمة كلها برقبته، وهو واحد ممن يتحملون المسؤولية في تحقيق أمالها واستمرار ثورتها والخلاص ممن يروقه الإستعمار. فكانت فكرته حول لقاء قيادي عام يناقش مسار الثورة ومستقبلها وهو ما تبلور أخيرا في الصمام الذي أشعر زيغود ومن معه بأن هناك من حملوا نتائج 20 أوت الذي أقنع السياسيين والشعب الجزائري بفئاته كافة أن الثورة وضعت الشعب في مساره إلى تحقيق الانتصار الكامل وقد انطلق القطار ولايمكن إيقافه بأي شكلمن الأشكال، وهذا ما أيقنه الجميع الحاضر في مؤتمر الصمام، وقد شمل قرارنا حت أولائك الذين كانوا يعتبرون مفجريها أطفالا سياسيين ومغامرين كما كان انعقاد المؤتمر إشارة واضحة للاعتراف بما أحدثه يوم 20 أوت في مسار الثورة.
إذن، بعد أن رأى زيغود النتائجج التي تمخضت عنها هجومات أوت، أحسّ بالأعباء التي ترتبت على الثورة ولابدّ من معالجتها، إن كان من ناحية إعادة تنظيم الصفوف وتوزيع الأدوار أو من ناحية وضع هيكلية عامة للثورة تضمن استمرارها وقوتها والتنسيق الكامل بين كامل قيادتها، فمع اشتداد الضغط الفرنسي على الولايتين الأولى والثانية بدأ زيغود يفكر جديا باجتماع يجمع القيادات للتنسيق بشأن الثورة، فقام وقتها بالاتصال ببن مهيدي لعقد اجتماع في جبال القل لأن هذه المنطقة بعد ال 20 أوت كانت منطقة شبه محررة.
فقد كانت القيادات كلها معزولة عن بعضها من بداية الثورة حتى 20 أوت 56 ببعد هذه القيادات بدأ الاتصال وكلفني وقتها مع آخرين بالتحضير للقاء ودراسة النواحي المادية والبشرية والحماية إلخ، أي أنه شكل لجنة لدراسة الأمر وكانت هذه اللجنة برئاسة عبد المجيد لكحل الراس وعضويتي وعضوية محمد بلعشية واخوة أخرون حيث تم اختيار منطقة بوزعرور في جبال القل لعقد الاجتماع. وقد بدأنا التحضير بالفعل لهذا الاجتماع من دون معرفتنا لموعده الدقيق، وكان المهم لدينا هو ترتيب كل ما يحتاجه اللقاء من جميع النواحي لضمان نجاحه، وقد جرت العادة أن زيغود كان في كل مرحلة يعقد اجتماعا في الولاية لدراسة النتائج واتخاذ قرارات جديدة للمرحلة التالية، إلا أن المشاورات التي كانت بين قيادات الثورة ارتأت أن يكون اللقاء في منطقة عربية من كل الولايات وممكن القول أن مؤتمر الصومام كان للشهيد زيغود في انعقاده دورا أساسي في تحقيقه أما نتائجه معروفة للجميع.

أبطال الثورة الحقيقون
ولابد هنا من ذكر أمر بالغ الأهمية، فالبرغم من احترامي الشديد للشهيد زيغود ولكل القادة العظام في تاريخ ثورتنا، إلا أنه لولا تسابق الناس العاديين من الجزائريين على الموت وتفانيهم في التضحية من أجل الجزائر لما استطاع أحد أن يحقق مايحلم به أو ينفذ أية فكرة عسكرية أو سياسية مهما بلغوت أهميتها.
وأذكر هنا أنني بعد أن كلفني زيغود بقرية امزجتشيش للتحضير من أجل الهجوم، ذهبت وجمعت الناس للحديث إليهم وكان طلبي بحدود عشرين أو خمسة وعشرين شخصا على أكثر تقدير كي ندخل القرية، فتفاجأت أن الناس جاؤوا بالمئات، وهذا ماسبب لي مشكلة وهي كيفية حل الأمر، لأنه لاتوجد إمكانيات لاستيعاب هذه الأعداد، بأخذ مئات الأشخاص إلى القرية ليلا أمر سهل الاكتشاف من قبل الفرنسيين، ثم إنه ليس عندنا ما يكفي لمقابلة هذا التجمع الكبير من المواطنين ولا يمكن استيعاب مئات الأشخاص في هذا المنزل فبدأت أفكر أنني أستطيع حل المشكلة بأن آخذ من كل عائلة شخصا واحدا حتى أرضي الجميع وأجمعهم في الوقت نفسه، فكانت مهمة صعبة إلا أنني نجحت، أذكر أنني عندما بدأت باختيار الاشخاص مررت على أول واحد واخترته ثم الثاني لكنني لم أختر الثالث وكان اسمه بوراوي زروق ، وما كان منه إلا أن سألني: لماذا استثنيتني؟ ولم أجد جوابا يومها لأنني استثنيته بالفعل، ذلك أنه وحيد لأهله ولم أرد أن يكون في المعركة، وتحت إصراره كان له ما أراد بأن يكون مع المجموعة، وذهب معهم إلى القتال ولكن حظه كان استشهد في المعركة.
إن 20 أوت ورغم الضحايا والشهداء الذين سقطوا فيه كان اليوم الذي أرسى دعاذم الثقة بالثورة وانتصارهعا، وأخرجها من فكرة العصابة والتمرد إلى الثورة بمعناها الأشمل والمعترف به، إذ انتقلت عدواه إلى الجزائر ككل. فأن يذهب آلاف الشهداء إلى الموت في فترة يومين ويقدم آلاف آخرون في الوقت نفسه ليقوموا بواجبهم الوطني لهو أمر جليل وكبير ويسجّل لمفجر هذا اليوم العظيم الذي أعتقد أنه كان الانطلاقة الثانية للثورة الجزائرية الشاملة. إذ بدأ الجزائريون ككل يستنسخون 20 أوت في كل الولايات ولم يفكر أحد منهم بالخسائر بقدر ما كان يفكر بالنتيجة التي سيحدثها عمله في هزّ نفسية العدو وانهياره.
صالح بوجمعة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.