شاهدت قبل ثلاثة أيام أقوى نشرة ثامنة في التلفزيون الجزائري، لم أشاهدها طوال حياتي·· كانت العناوين بدون رسائل الرئيس التي يوجهها لنظرائه في العالم بمناسبة الأعياد الوطنية للبلدان أو من أجل تعزية فقيد من مفقودي أهل الرؤساء أو رسائل عبور الأجواء· لقد كانت العناوين عبارة عن تحقيقات ميدانية لقطاعات السكن والتجارة بطريقة تعطي الكلمة للمواطنين دون أن تحس بأي مقص لتقنيي المونتاج· كما كانت التعليقات التي ترافق تلك الأوراق في النشرة، توحي بأنها حرة لم يمارس عليها مدير الأخبار أو رئيس التحرير أي رقابة· لقد دفعني الاندهاش في تلك اللحظات إلى التدقيق بصريا في شعار القناة التي أشاهد، وأتحقق من أنني على القناة الأرضية للتلفزيون الجزائري· لقد دفعني الاندهاش إلى أكثر من ذلك، لقد دفعني بكل غباء إلى البحث عما إذا كانت النشرة التي أشاهدها هي نفسها التي يتم بثها عبر باقي باقة قنوات التلفزيون الجزائري، فشاهدت نفس النشرة·· لقد دفعني الفضول إلى إنهاء مشاهدة النشرة مثلما لم أفعل قط في حياتي من جينيريك البداية إلى جينيريك النهاية ولاحظت أن الفريق الذي أعدّ نشرة ذلك اليوم هو نفس الفريق الذي كان يعدها قبل أن يحدث ''الديكليك''·· لقد دفعني الاندهاش أيضا إلى المواظبة على مشاهدة نشرة الثامنة يوميا، بل أصبحت أقطع تناول العشاء على نفسي وعلى ابنتي التي ترغب دائما في الأكل من صحني وبيدي، وأذهب مسرعا نحو التلفزيون مباشرة عند سماع بداية جينيريك النشرة، وأوصي زوجتي عند قرب موعد النشرة برفع صوت التلفزيون بينما أكون في المطبخ أتعشى، كي يتسنى لي سماع ''الجينيريك''· بل في بعض الأحيان ومنذ قرابة الأسبوع أصبحت أسلك أقصر الطرق إلى البيت في سيارتي، إذا اقترب موعد نشرة الثامنة وأنا في الخارج، كي لا يفوتني عدد ذلك اليوم· بمعنى آخر، لقد دخلت حسابات جديدة في يومياتي المنزلية والحياتية بسبب تطور مستوى نشرة الثامنة، وتطور الأداء الإعلامي للتلفزيون على صعيد الخدمة العمومية·· علاوة على كل ذلك وجدت كاميرا التلفزيون بالأمس فقط في شارع ديدوش مراد وهي تسجل استجوابات المواطنين المقصيين من قوائم سكنات عدل وهم يصرخون في عدسة الكاميرا ويصبون جام غضبهم على وزير السكن ومسؤولي وكالة عدل، وهم في حركة احتجاجية وسط العاصمة الممنوع التجمهر والتظاهر فيها مهما كانت الأسباب لاعلان حالة الطوارئ·· لقد سجل هؤلاء اندهاشهم من حضور كاميرا التلفزيون بينهم بالأمس، كونهم احتجوا عشرات المرات دون أن تحضر مرة واحدة، وأثار بعضهم وأنا استرق السمع بينهم نوعية المواضيع التي تبثها نشرة الثامنة·· إذا كان هذا أول الغيث في التلفزيون، فنحو لقب البرنامج الأكثر مشاهدة لنشرة الثامنة وقلب موازين يوميات الجزائريين، ومنهم المتحدث·