تبقى نداءات تعزيز استقلالية القضاء والإعلام من أهم المطالب التي تدور في مختلف الأوساط الحقوقية والاجتماعية بالنظر لما لتلك السلطتين من تأثير ونجاعة في كشف المفسدين وفضح ملفات الفساد، هذا الأخير الذي بات مهددا حقيقيا للسيادة الوطنية مثلما تحدث عنه فاروق قسنطيني رئيس اللجنة الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان في العديد من المرات. لقد خاضت العدالة الجزائرية في السنوات الأخيرة حربا حقيقية ضد الفساد من خلال العديد من المحاكمات التي أخذت صفة العالمية على غرار قضية الخليفة والطريق السيار “شرق/غرب” كما تمكنت من محاكمة المتورطين في ملف البنك الصناعي والتجاري وقضية عاشور عبد الرحمن والبنك الوطني الجزائري وقضايا أخرى لفتت إليها أنظار الرأي العام الذي اكتشف صفحة جديدة في تاريخ القضاء. وينتظر الرأي العام الكثير من العدالة خاصة في ظل المكاسب الجديدة المحققة في دستور مارس 2016 وكذا المصادقة على الكثير من التشريعات التي تسمح للعدالة الجزائرية بتتبع المفسدين في الخارج واسترجاع الأموال المنهوبة من هناك، فالعلاقات الدولية والاتفاقيات باتت لينة جدا وفرضت حصارا كبيرا على كل من تسول له نفسه نهب أموال الشعوب الموجهة للتنمية وتحويلها لحسابهم الشخصي. وتحمل السلطة الثالثة في الجزائر مهمة عسيرة في ظل تشعب قضايا الفساد وامتدادها لمختلف القارات ونسج شبكات المافيا لعلاقات نفوذ يصعب التفطن اليها بسهولة وبالتالي يبقى تحريك الدعاوى من النيابة العامة ونشر ثقافة المواطنة والتبليغ عن المفسدين وحماية الشهود من أية تبعات خطيرة قد تؤدي بحياتهم. من جهة أخرى يبقى الإعلام شريكا أساسيا في كشف المفسدين من خلال التحريات والتحقيقات حول مختلف القضايا على غرار الرشوة والمحاباة واستغلال النفوذ والمناصب لتحقيق أغراض شخصية ضيقة. ويحتاج الإعلام لمصادر معلومات متنوعة وإمكانيات كبيرة للقيام بتحقيقات حول العقارات وواقع التنمية في الولايات الداخلية التي تعرف انتشارا كبيرا للفساد بحكم تواجدها بعدية عن دوائر صناعة القرار المركزية وهو ما جعل مختلف الدوائر الأمنية على غرار الدرك الوطني يحذر من تزايد عدد الاحتجاجات الاجتماعية حول مختلف السلوكيات غير السوية من قبل المسؤولين. وعلى الإعلام أن يتحلى بالنزاهة والمسؤولية في تناول قضايا الفساد والابتعاد عن تصفية الحسابات وعدم الانحياز لأصحاب المال والأعمال الذين ثبت تورطهم في توجيه الكثير من الأعمال الصحافية لمهاجمة أطراف معنية وتشويه سمعتها في مشهد جعل صورة الاعلام الجزائري تهتز حيث بات يلعب ادوارا غير منوطة به وهو ما جعل الأخطاء تتكاثر ووصل الأمر بالكثير من الصحف إلى الوقوع في السب والشتم والقذف. ومنح الدستور الجديد حرية أكبر للصحافة خاصة بعد إلغاء عقوبة حبس الصحفي الأمر الذي اعتبره الكثيرون تحفيزا لتعزيز حرية التعبير والصحافة ودفعها للعب الدور المنوط بها الوارد في قانون الإعلام. ومن المنتظر أن تشهد الحرب على الفساد مجالات كثيرة خاصة في ظل تنامي الحس المدني وعولمة مكافحة الفساد التي أطاحت بالكثير من الرؤوس بما فيها رؤساء حكومات.