بقلم: ابن خلدون عرفنا شهرزاد من خلال أدبيات ألف ليلة وليلة. وعرفنا من خلالها أن شهرزاد راوية ممتازة بحكاياتها مع بداية كل ليلة، وتمتنع عن الكلام المباح مع بزوغ فجر كل صباح. هذه هي صورة شهرزاد في أذهاننا. صورة هي أبعد ما تكون في أن توفي المرأة حقها. شهرزاد أكبر من أن تكون على هذه الشاكلة. شهرزاد كانت إحدى أروع أمثلة الشجاعة والتحدي في التاريخ. كان الموت يترقبها كل ليلة ما لم تتفتق ذهنيتها عن قصة جديدة ترويها. كانت تقاوم شبح الموت بالكلام، فلم يخنها لسانها ولم تخنها ذاكرتها يوما، حتى تمكنت من طرد فكرة القتل من ذهن شهريار. شهرزاد هذه مثال حي عن العبقرية المتفجرة في ظروف الشدة والمحنة. وعبقريتها الخلاقة كانت طوق نجاتها من الموت. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نستشفها من قراءتنا لقصة ألف ليلة وليلة ومسيرة شهرزاد في أيامها ولياليها. بدأت حديثي بشهرزاد التي تكلمت في زمن تسلط فيه السيف على رقبتها لأسقط حكايتها على زماننا الذي بالرغم من كل ما فيه من عيوب إلا أنه أعفانا من أن نتكلم فيه تحت طائلة الموت، أو نكتب فيه تحت ظلال السيوف، ورغم هذا لم نبدع مثلما أبدعت شهرزاد. بل لم يعد في مقدورنا محاكاتها. وإذا كان من العار حسب مفهومنا أن نتسمى بأسماء النساء، فإنه شرف لكل كاتب ولكل حكواتي ولكل عجوز أمام موقد النار في ليالي البرد يروي أحجية أن يكون شهرزاد. ما أحوج أمتنا أن يكون رجالها قبل نسائها مثل شهرزاد. وما أحوج زعماء أمتنا أن يكونوا مثل شهرزاد في تعاملهم مع شهريار واشنطن. ليتنا تكون لنا قوة الإقناع التي امتلكتها شهرزاد لنقول إننا أصحاب حق وأصحاب قضية. إننا أمة السلم قبل أن نكون أمة العنف. وإن عنفنا حين عبر عن نفسه كان رد فعل لما حيق ويحاق بنا. لنسأل العالم أجمع متى كانت أمة العرب في موقع الهجوم على الغير حتى تتهم بالإرهاب. فأمتنا طوال التاريخ الحديث والمعاصر كانت في موقف الدفاع، وضحاياها يعدون بعشرات أضعاف المتحرشين بها. أمتنا لم تكن تقوم بالفعل بل برد الفعل فقط، والعالم أجمع يعرف حق المعرفة الفاعلين الحقيقيين الذين يدفعون الوضع الدولي نحو غاياته المتأزمة، ويعرف كذلك أهدافهم التي لم تعد تخفى على أحد لأنهم هم أنفسهم أخذوا يجهرون بتلك الأهداف. ليت العالم يدرك أننا لا نعارض سقوط نظام صدام حسين، ولا سقوط أي نظام ديكتاتوري عربي. فالعرب من محيطهم إلى خليجهم رغم الشعارات الجوفاء التي يتغذون عليها، والتي في مجملها تمدح الحكام وتنزلهم منزلة الأنبياء، مجمعون على ضرورة التغيير والتخلص من حكامهم الذين لا يؤمنون بالديمقراطية إلا بعد أن يصبح الكفر بها إلحادا. العرب إنما يعارضون فكرة استعارة العضلات الأجنبية، واليد الأجنبية، والدبابة الأجنبية والقناص الأجنبي لإحداث التغيير المطلوب. ونحن لا نعارض فكرة الإصلاح السياسي في الوطن العربي، بل ندعو له ونتحمس في دعوتنا، حتى لو كان هذا الإصلاح تحت مسمى الشرق الأوسط الكبير، لكن نعارض أن يتم الإصلاح بعقول أجنبية مستوردة، ونظريات أجنبية، وتصور مستقبلي أجنبي. ليتنا كعرب نكون مثل شهرزاد التي عرفت كيف تتكيف مع ظروفها. فنحن لا زلنا إلى اليوم نعيش التناقض الأليم بين ما كان وما ينبغي أن يكون، فاستعمرت الآلام والنكسات الجسم العربي الذي عجز أن يتكيف مع ظروفه. وليت العرب كانوا مثل شهرزاد التي تمكنت من نزع بذرة الشر من قلب شهريار، فينزعون تلك البذرة من صدورهم حيال بعضهم. فإلى اليوم لازال العرب يتباهون باختراع الانفعالات الرديئة فيما بينهم. والعربي في علاقته بأخيه العربي لايزال عسكريا مرورا ذا بأس شديد، ومع المحتل الغازي مدنيا مسالما وديعا يخاف أن يحمل مبيد الحشرات خوفا من أن يتهم بامتلاك أسلحة الدمار الشامل. وليت مفكري العرب وكتّابهم يتمكنون من إقناع حكامهم ألا يصافحوا الأخوة والجيران بحد السيف، وألا يسوقوا جيوش الحمقى والمجانين لقتال إخوان لهم، ثم يتهيّج كل طرف بالدعاء سائلا الله أن يؤيده بنصره على أخيه، ناسيا أو متناسيا أن ذات الأخ يرفع يديه إلى السماء بنفس الدعاء. فكل طرف يريد الله له وحده في قماره بشعبه وبجيرانه. ولكن لا أحد رفع يديه إلى السماء طالبا النصر ضد عدو محتل. وهو ليس في حاجة لمثل هذا الدعاء لأنه لا يريد قتال هذا العدو حتى يطلب من الله أن ينصره عليه. ليت مفكري العرب يدركون أن قدرتهم على التغيير والتنظير هي مثل قدرة مفكري الأمم الأخرى. وليتهم يدركون أن الشعوب العظيمة هي التي تبدع الأفكار العظيمة والمفكرين العظام، أما الأفكار العظيمة المستوردة فهي لا تبدع شعوبا عظيمة. ليت الزعماء العرب كانوا مثل شهرزاد تتفتق عبقرياتهم عن حلول للمعضلات عوض انتظار حلول ما وراء البحر، علهم يخففون بذلك من نكبات هذه الأمة، التي من بينها ليس فقط عجز الزعامات العربية عن إيجاد الحلول، بل عجزها حتى عن الاتفاق على عقد لقاءات لتدارس إمكانية إيجاد حلول. فقد كنّا نعيب على القيادات العربية في السبعينيات من القرن الماضي نفاقها، لأن القادة العرب كانوا وقتها يلتقون بالأحضان. وكنا نرى في حرارة تلك اللقاءات نفاقا. لأن الزعيم العربي الذي يستقبل بالأحضان زعيما آخر ثم يتآمر عليه لا يستحق الاحترام. أما اليوم فصرنا نشتاق لتلك اللقاءات وأحضان النفاق، فقد صارت من أزمنة الجهاد في تاريخنا، لأنها تظهر حدا أدنى من التفاهم العربي. لقد تساءل أحد المفكرين العرب قائلا: توحدنا في عصر الجمال والبغال فكيف نتفرق في عصر الذرة والصواريخ. وقد يقول قائل: توحدنا في عصر شهرزاد لأنها عرفت كيف تغرس ثقافة الحب في عقل! وقلب شهريار. لكن شهريار العرب في هذا الزمان لم يدخل قلبه الحب، وقد يكون هو الذي لا يريد أن يعرف من الحب سوى حب الغزاة الذين تسلطوا عليه. ليت زعماء هذه الأمة يدركون أننا لا نولد ومواقفنا معنا، بل نحن الذين نصنع مواقفنا. ومتى أدركت الزعامات هذه الحقيقة يصبح لزاما عليها اتخاذ المواقف التي يمليها التاريخ، والمواقف التي تمليها الجغرافيا، والمواقف التي تمليها السياسة. فالأمم لا يمكنها أن تعيش كما تريد، بل تفرض عليها الظروف كيف تعيش، ويفرض عليها العالم الذي من حولها كيف تتعامل معه، ولا يتم ذلك إلا بناء على مواقف وسياسات تأخر العرب عن الإفصاح عنها. ليتني كنت شهرزادا لأحكي ألف حكاية وحكاية عن زمن الردة العربية. ليتني أستجمع شجاعة شهرزاد خلال الأربعة عشر مليون دقيقة التي استغرقتها الليالي في دقيقة واحدة أصرخ فيها بأعلى صوتي صرخة أتمنى أن يعم صداها من المحيط إلى الخليج قائلا: واعرباه...! وليت العرب كل العرب الذين بإمكانهم أن يوجهوا لأمريكا ألف تهمة وتهمة على ما فعلته وتفعله فيهم، أن يستجمعوا قواهم ليسمعوها تهمة واحدة فقط؛ تهمة تحويل عصرنا إلى الديكتاتورية. فنحن إذا جاز لنا وصف العصور بالديمقراطية والديكتاتورية فإن العصر الذي نعيش فيه صار ديكتاتورا بأتم معنى الكلمة. فلم تعد الديمقراطية في هذا العصر إلا مجرد وميض خافت وسط عتمة النظام الدولي الجديد الحالكة التي أعادت الاستعمار إلى بلادنا. ليتنا نستطيع مواجهة أمريكا بتهمة استعمار بلادنا ونصرخ في وجهها صرخة واحدة: أخرجي من أراضينا. دون ذلك فشهرزاد ترفض أن تعير اسمها لأشد فرساننا بأسا.