هكذا يكون الردّ على شارلي إيبدو والمسيئين إلى الإسلام على الدولة التوجّه إلى بدائل أخرى غير الغاز الصخري لإنعاش الاقتصاد أشار البروفيسور عمار جيدل، المختصّ في أصول الدين، العقيدة والفكر الإسلامي بكُلّية العلوم الإسلامية بالجزائر العاصمة، في حوار خاص جمعه ب (أخبار اليوم) إلى أن استهزاء الصحيفة الفرنسية (شارلي إيبدو) برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتصويره في رسومات كاريكاتورية ساخرة ليس أوّل تطاول غربي على مقدّسات المسلمين ولن يكون الأخير، مؤكّدا أن خير ردّ على أعداء الإسلام يكون من خلال تعزيز الانتماء إلى رسول اللّه بانتهاج السيرة المحمّدية في كلّ تعاملاتنا اليومية. كما أرجع البروفيسور عمار جيدل من جهة أخرى انهيار أسعار البترول في الأسواق العالمية إلى مكيدة صهيونية مدبّرة بإحكام، ما دفع الجزائر إلى البحث بديل عن البترول وتعويضه بالغاز الصخري الذي اعتبره البروفيسور إحدى بؤر التوتّر في المجتمع الجزائري وجب على الدولة الجزائرية القضاء عليها في أقرب الآجال. حاورته: عتيقة مغوفل * كيف تفسّرون الهجوم الذي تعرّضت له صحيفة (شارلي إيبدو) الفرنسية بعد تطاول طاقهما على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم برسومات كاريكاتورية ساخرة؟ *** هذه ليست المرّة الأولى ولا أظنّها الأخيرة التي يتطاول فيها الغرب واليهود على الدين الإسلامي ومقدّساته، فقد حدث هذا كثيرا في تاريخنا الإسلامي، وستتكرّر ويتكرّر التصرّف الأرعن من قِبل الغربيين بصفة عامّة، لأن الرعونة التي تركب الغربيين للأسف الشديد أنه لا يسلم لهم دينهم إلاّ بالإساءة إلى الديانات الأخرى، وهذا ديدنهم، وليس مستغربا على الإطلاق ما فعلوه وما يفعلوه حاليا بالمسلمين ومقدّساتهم أينما كانوا وحيثما وجدوا. * كيف يجب أن يكون ردّ المسلمين في جميع أنحاء العالم وليس في الجزائر فقط على مثل هذه التصرّفات الغربية المسيئة إلى ديننا؟ *** واللّه التفكير في فكرة الردّ وكيف يجب أن تكون ردود الأفعال أعتبرها فكرة تقليدية وتقليدية جدّا، أرجو أن يتمّ تجاوزها لأن أكبر ردّ يجب أن يعيش النّاس الانتساب الحقيقي إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وانتساب النّاس إليه عليه الصلاة والسلام ليست قضية فردية، بل جماعية وقضية مجتمعية. إذا أردنا أن نتكلّم عن الانتساب إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام فأين الانتساب إليه في دولنا؟ أين الانتساب إليه في سياساتنا؟ أين الانتساب إليه عليه الصلاة والسلام في شبكة علاقاتنا الاجتماعية؟ وأين الانتساب إليه في شبكة العلاقات الاقتصادية ومختلف الشبكات الأخرى كالتربية والفنّ؟ هذا هو الانتساب إليه الحقيقي صلّى اللّه عليه وسلّم، فنحن اليوم ننتسب إليه في مجتمعاتنا انتسابات شكلية ولا تتناول بالعمق على الإطلاق، فإذا أردنا أن نردّ على أعداء الإسلام وأنا أتحفّظ على هذا المصطلح يجب علينا أن نردّ من خلال الانتماء الفعلي إلى الإسلام، فما هو دليل انتمائنا الفعلي إلى هذا الدين؟ وأين نلمس الدين الإسلامي في علاقاتنا بأسرنا وفي علاقاتنا بأقرب النّاس إلينا وفي علاقاتنا بمن هم تحت مسؤوليتنا وفي علاقة الراعي بالرعية وفي علاقة اقتصادنا بالإسلام، علاقة المجتمع بالإسلام؟ فهذا أكثر ما يجب التركيز عليه، لأن المجتمعات الغربية بصفة عامّة مثلها مثل المجتمعات الأخرى تركّز دائما على النموذج المجتمعي الذي يعبّر عن الانتساب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فالسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: هل نحن حقّا مجتمع يعيش الانتساب الذي يقارن النظرية بالنظرية؟ ويعني هذا أن نقارن الإسلام النظري الذي جاء في الكتاب والسُنّة بما هو حاصل في مجتمعنا، ومن هو مخوّل للقيام بهذا هم المثقّفون، إلاّ أنه وللأسف عموم النّاس ليسوا مثقّفين وجملة النّاس يسوقهم للاقتناع بالفكرة المثقّفون الذين يطبّقون الدين فعلا، ما يجعلنا نطرح السؤال: هل نحن فعلا نتشرّف بالانتماء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من خلال مجتمعنا أم أننا لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال أن ندّعي أننا نتسب إلى سيّدنا (محمد) أو ندّعي الانتساب على الأقلّ على المستوى الظاهري؟ فلأسف شبكات العلاقات بيننا كلّها مهتراة والإسلام فيها غريب، والانتماء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فيها غريب، لذلك يجب علينا أن نستعيد الانتماء الكلّي والحقيقي إلى رسول اللّه عليه الصلاة والسلام. * ماذا تقصدون بالانتماء الكلّي إلى رسول اللّه عليه الصلاة والسلام؟ *** يقول اللّه تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أوّل المسلمين}، فليس المسلم ذاك الذي يذهب إلى المسجد للصلاة يتّصف بصفات المسلمين وإذا ذهب إلى شعب الحياة ينسى أن يكون صادقا مع اللّه، ولا يكون أمينا مع الأمّة والمجتمع الذي يعيش فيه. فالمسلم الحقيقي مطالب بأن يكون صادقا وأمينا وضد التزوير في كلّ مكان، فلا يكون ضد التزوير في المسجد ومعه خارج المسجد، وليس ضد الاختلاس في المسجد ومع الاختلاس خارج المسجد، ولا يكون ضد العنف في المسجد ومع العنف خارج المسجد، ولا يكون ضد عنف الأفراد ومع عنف الدولة، وأن الإسلام ضد أن يستعمل الإنسان القوة للوصول إلى الحكم وضد أن يبقى بقوة في الحكم ضد إرادة الشعب، فالذي يؤمّ الأمّة وهم له كارهون لن تقبل دعواه، وهو ضد ما ورد في الحديث النبوي. * ما هو تحليلكم بروفيسور لاتّهام الإسلام والمسلمين بالإرهاب، خصوصا بعد تسجيل بعض الاعتداءات في الغرب، آخرها الهجوم على صحيفة (شارلي إيبدو) الفرنسية الساخرة؟ *** أعتبر الأمر عاديا جدّا لأن الإسلام هو أكبر مصدر لمقاومة التغوّل اللوبي الصهيوني في العالم، وضد تغوّل اللوبي المالي، وضد تغوّل وسائل الإنتاج، فهو يحارب أيّ وسيلة من وسائل التغوّل. فالغربيون عندما يخافون من اللوبي الصهيوني ترتعد فرائسهم ولا يمكن لهم بأيّ شكل من الأشكال مقاومتها حتى أنهم ضغطوا على العالم، وللأسف الشديد العالم كلّه تحت وطأتهم، فإن تكلّم الإنسان بين شفتيه ضد إسرائيل واليهود عامّة يحاكم ويسجن لأنه ضد السهمية وما شابه ذلك، والمسلمون على قلّة ذات اليد وقلّة البضاعة ليسوا كالغربيين أقوياء ماديا ليضمنوا قوّتهم ولا يستوردونه من الخارج، لكنهم أقوياء معنويا فهم يقولون إن اليهود والصهيونية هم الخطر على العالم، لهذا فإن الغربيين عندما يسمعون كلام المسلمين لا يخافون من الصهيونية المتحكّمة في العالم، وهذا يبلّغ رسالة للكثير من الغربيين من باب خفي للتساؤل عن مصدر قوة المسلمين، فهم لا يخافون اليهود مثلما نخاف ولا يسكتون مثلما نسكت، لأن اللوبي الصهيوني وللأسف الشديد متحكّم في تدفّق المعلومات وتدفّق الصورة وتدفّق المال أيضا، لهذا يجعله قوة ضاغطة على الغربيين. ورغم هذه القوة الكبيرة والكبيرة جدّا التي يخافها الغربيون، إلاّ أن المشارقة بصفة عامّة والمسلمين على الخصوص لا يخافونها على الإطلاق، وهي مدعاة إلى إعادة النظر في خريطة انتشار الإسلام والمسلمين في العالم من خلال هذا الضغط. فمن خلال إلصاق الإرهاب بالإسلام دوما سيكون مدعاة إلى القراءة المتأنّية للإسلام من قِبل المفكّرين والمتقدّمين ثقافيا ومن قِبل العلماء والمميّزين في المجتمعات الغربية، أمّا عامّة النّاس فلا شكّ أنهم عندما يرون أن هؤلاء قد اقتنعوا بأنهم سيغيّرون صورتهم فسوف تأتي الأيّام لتؤكّد أنه كلّما نفثوا شيئا لأجل إفزاع العالم سيستعيد العالم الصورة الأصلية البهية للإسلام من خلال محاكمة الصهيونيين من خلال كلّ تلك الجرائم التي ارتكبوها في حقّ البشرية عامّة والمسلمين على وجه الخصوص. * ذهب البعض إلى ربط انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية بمكيدة مدبّرة من طرف جهات معيّنة، ما رأيكم في هذا الاعتقاد؟ *** إن انخفاض وارتفاع أسعار البترول في البورصات راجع إلى بعض السياسات التي تنتهجها القِوى الكبرى في العالم، فكلّ شيء مبني على مبدأ توافق أو تعارض المصالح. وبما أن روسيا من أكبر الدول العالمية المصدّرة للنفط، ونظرا لتعارضها مع مصالح الولايات المتّحدة الأمريكية وإسرائيل فإن اللوبي الصهيوني سيعمل على تحطيم اقتصاديات البلدان التي تعارضه، ومنها بعض البلدان العربية، وذلك من خلال التلاعب بأسعار البترول الذي يعتبر المورد الوحيد للمال في العالم العربي، وما قد يزيد الطّين بلّة الصراعات العربية الإقليمية القائمة الدائرة في سوريا وليبيا والسودان وما وقع في مصر وتونس، بالإضافة إلى تفكّك الأمّة الإسلامية، كلّ هذه العوامل ساعدت وإلى حدّ كبير في تفريق الأمّة الإسلامية المالكة للبترول في العالم، ما دفع الإسرائليين إلى انتهاز الفرصة والاصطياد في المياه العكرة والتحكّم في أسعار البترول واتّخاذه كوسيلة ضغط على المسلمين وهم يحاولون من خلال هذا التصرّف تشتيت أنظار طرف العالم عن القضية الفلسطينية، خصوصا بعد اعتراف العديد من الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية وتوجّه العالم إلى البحث عن حلول جذرية لإنهاء التواجد الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية. * انخفاض أسعار البترول دفع الحكومة الجزائرية إلى البحث عن مورد جديد للطاقة، ما جعلها تلجأ إلى الغاز الصخري كبديل، وهو الأمر الذي أطلق العنان لمسيرات شعبية ضد هذا البديل، فهل كان قرار الحكومة منطقيا؟ *** أهل الاختصاص أجدر بالإجابة على السؤال، لكن خروج الآلاف من سكان الجنوب في مسيرات حاشدة ضد استغلال الغاز الصخري كبديل عن البترول كان يجدر به أن يدفع الدولة إلى العزوف عن قرار استغلال هذا الغاز وذلك لسدّ بؤرة التوتّر الحاصلة، فنحن في مرحلة حرجة جدّا لذلك يجدر بالسلطات اتّباع سياسة سدّ بؤر التوتّر وغلق باب الفتنة في المجتمع حتى لا يحلّ بنا مثلما حلّ في بعض البلاد العربية هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الولايات المتّحدة الأمريكية هي الوحيدة في العالم حاليا من تستخرج هذا الغاز، لكنها تملك وسائل تقنية متطوّرة جدّا لاستغلال هذه الطاقة، في حين أن الجزائر لا تملك هذه المعدّات المتطوّرة، لذلك يجب إعادة النظر في هذا القرار من جهة، ومن جهة أخرى يجب على المسؤولين البحث عن موارد مالية لتدعيم الاقتصاد الوطني، والحمد اللّه أن بلادنا تتربّع على موقع جغرافي استراتيجي مهمّ يمكّنها من استحداث مداخيل أخرى على غرار مداخيل البترول كالاعتماد على السياحة مثلا التي بدأت تنتعش بشكل ملفت للانتباه، خصوصا في جنوبنا الكبير، بالإضافة إلى هذا فإن ساحلنا يمتدّ على مسافة 1200 كيلومتر مربّع، وهو الأمر الذي ينبغي أن يدفع المسؤولين إلى التفكير مليا في كيفية التركيز على جعله موردا ماليا مُهمّا للدخل الوطني.