حتى قبل أن يسقط النظام في دمشق بدأ المسلحون يأكل بعضهم بعضا، فقد أقدم تنظيم دولة الشام والعراق الإسلامية على اغتيال أحد كبار القادة في الجيش الحر، يجري الحديث عن اشتباكات بين مختلف الفصائل المسلحة. قبل أزيد من عشرين سنة شهدت أفغانستان وضعا مشابها، فالفصائل المسلحة التي كانت تقاتل نظام نجيب الله والقوات السوفياتية أنذاك سرعان ما انتقلت إلى الاقتتال فيما بينها بمجرد مغاردة الجنود الروس وسقوط النظام في كابول، وقد طال أمد الحرب بين هذه الفصائل حتى تم اختراع حركة طالبان التي قضت على الجميع بدعم من المخابرات الباكستانية. ما يجري في سوريا اليوم شبيه بما حدث في أفغانستان، فالذين يقدمون المال والسلاح ويفسحون الطريق للمقاتلين الأجانب الذين يتوجهون إلى سوريا لا يريدون لهؤلاء أن ينتصروا أو يعودوا إلى بلدانهم، إنهم يفضلون قتلهم ودفنهم في سوريا، وبداية التناحر الداخلي بين هذه الجماعات يشير إلى قرب نضوج حل سياسي للأزمة السورية على قاعدة من توافق القوى الكبرى، والحل السياسي يتضمن بالضرورة تدمير الجماعات التي استعملت في الحرب على النظام السوري، وإعدام أفرادها، وربما أفرزت الأزمة في سوريا بعد ذلك نظاما بعيدا كل البعد عما حلم به طالبو الشهادة. كيف يمكن تصديق أن الأردن تشدد الرقابة على حدودها لمنع تسلل الإسلاميين المسلحين إلى سوريا للمشاركة في المعارك في حين أن متحدثا باسم السلفية الجهادية في الأردن ويدعى أبا سياف، يصرح بأنه خلال الشهر الماضي فقط عبر مائتا أردني إلى سوريا عبر تركيا، من المؤكد أن الأجهزة الأمنية الأردنية تعرف جيدا الذين ذهبوا وأي طريق سلكوا، ولعلها تشجعهم على الذهاب في هذا الوقت بالذات لأنها تتوقع أن تسحقهم طائرات ودبابات الجيش السوري الذي يحقق تقدما ميدانيا منذ فترة. معركة الحرية المزعومة تحولت إلى حفل إعدام جماعي لأولئك الذين تم استدراجهم إلى هذا المستنقع الآسن حيث تنمو الفتن ومشاريع الحروب الطائفية التي ستعيد المنطقة قرونا إلى الوراء.