من كان يظن أن الرئيس المصري حسني مبارك الذي ظل طيلة سنوات حكمه المتحكم الرئيس في القرار الخاص بالقضايا المصيرية في المنطقة العربية كلها سيسجن على ذمة التحقيق، ويمر أمام الكاميرات مطأطئ الرأس مغطى ببردة تشبه بردة المساجين المجرمين؟ من راوده شك واحد من مليون أن الخليفة المفترض لحسني مبارك وهو نجله جمال مبارك يستدعيه النائب العام ويسجنه على ذمة التحقيق بتهمة الفساد والثراء غير المشروع، ومن كان يظن أن النجل الثاني للرئيس المصري علاء مبارك الذي كان مفتاح السلطة والنفوذ في المجتمع المصري سيقبع في الحبس الإحتياطي للتحقيق في ثروته غير المشروعة؟ من كان يظن أن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي سيفّر من تونس وشعب تونس بعد أن حكمه لمدة 23 سنة بالحديد والنار؟ أي منجم تنبأ بمصير بن علي بأن الأرض كلها لا تسعه بعد أن ملك أرض تونس كلها؟ أي كاتب من كتاب الخيال كان يتصور أن الرئيس اليمني علي عبد صالح والسوري بشار الأسد والعقيد الليبي معمر القذافي، ستتشوه صورتهم ويصبحون مجرمين في نظر شعوبهم ويطالب الشعب بمحاكمتهم وسجنهم ؟ من كان يعتقد ولو من باب التنكيت أن الرئيس الإيفواري لوران غباغبو سينتهي مصيره بهذا الشكل المخزي، تصوره الكاميرات منهزما بائسا بثيابه الداخلية يمسح العرق من تحت إبطه ومن جبينه بإزار شبيه بإزار السجين، بعد أن ألقت عليه القوات الفرنسية وقوات الناتو القبض؟ لم يكن أحد يتصور.. ولا أحد كان يصدق أحدا قال أو كتب بأن مصير مبارك وبن علي والقذافي وصالح وبشار وغباغبو سيكون مأساويا هكذا، بهذا الشكل وإلى هذا الحد. والحقيقة أننا عندما نؤرخ للرؤساء علينا أن نأخذ حدثا تاريخيا كبيرا، هو إلقاء القبض على الرئيس العراقي صدام حسين ثم محاكمته في دراما تلفزيونية ومهزلة قانونية قبل إعدامه في قمة الذروة الدرامية الشبيهة بأفلام هيتشكوك الهوليودية. بعد صدام حسين، أضحى الرؤساء يسقطون بطريقة هوليودية. لكن أي الرؤساء هؤلاء الذين يسقطون بطريقة هوليود الأمريكية أو بوليود الهندية، لماذا لم يسقط الرئيس الأمريكي أو الرئيس الفرنسي أو الروسي أو الألماني أو الإيطالي أو الياباني أو غيرهم كثير بالطريقة التي يسقط بها الرؤساء العرب؟ فقط الرؤساء الذين شاخوا في الحكم وعمروا فيه السنين الطوال هم الذين سقطوا، فقط الرؤساء الذي وصلوا للحكم بطريقة مطعون فيها هم الذين يتهاوون كأوراق التوت. فقط الرؤساء الذين لديهم فرق من مستشاري السوء الذين يزينون لهم حالات الناس السيئة على طريقة مروان بن الحكم مستشار الخليفة عثمان بن عفان، الذي أعاد توجيه التاريخ الإسلامي كله باستشاراته السيئة. هل لو غادر غباغبو الحكم بعد الإنتخابات الرئاسية التي فاز فيها معارضه حسن وتارا كان ينتهي بهذا الشكل المأساوي، هل لو غادر مبارك الحكم بطريقة ديمقراطية كان ينتهي به الأمر إلى السجن الإحتياطي، هل كانت صورة الزعيم القذافي تصل إلى الصورة الهزلية التي وصلت إليها لو غادر الحكم وسلم السلطة للشعب بطريقة ديمقراطية؟ ألم يكن ممكنا لبشار الأسد أن يتجنب الفتنة التي تعصف بسوريا لو فهم الدرس المصري والدرس التونسي والدرس الليبي والدرس البحريني والدرس الإيفواري وسارع إلى احتواء الوضع وأقدم على إصلاحات سياسية تفرح شعبه وأمته؟ لكن بشار الأسد وجه أصابع الإتهام ل« المؤامرة الخارجية » في ضحك على الشعب، لأن نظرية المؤامرة الخارجية تعني شيئين خطيرين لا تقبل بها الشعوب، الأول أنك تتهم الشعب بالعمالة للخارج، والثاني تتهم الشعب بالغباء. إن كثيرا من البلدان العربية ما زالت أمامها فرصة قراءة الدروس قراءة صحيحة، وأن تسارع بأقصى ما تملك من سرعة للقيام بإصلاحات سياسية حقيقية، لأن الجيل العربي الجديد لا يقوى على تحمل مزيدا من الإحباطات تسبب فيها الحكام العرب. إن التخلّف الذي يعصف بالأمة العربية سببه الحكام، وأن الجوع الذي يأكل الشعوب العربية سببه الحكام، وأن تخلف أنظمة الحكم يتحمل مسؤوليتها الحكام، وأن احتلال فلسطين والعراق وسبتة ومليلة والجولان سببها الحكام، وإن تقسيم السودان إلى دولتين سببها الحكام .. ليس بمقدور الجيل العربي أن يتحمل إحباطات إضافية تسبب فيها الحكام. إن المسيرات والحركات الإحتجاجية والإعتصامات التي تشهدها مدت عربية عديدة، تقول بوضوح إنها تريد التغيير، تريد تحقيق حلم بناء دول قوية، لم ينتفض الشارع لأنه جاع، انتفض لأنه لا يرغب في مزيد من الإحباط. وإن أي قراءة أخرى للمسيرات والإحتجاجات تعني رفض الإصلاح، وكلما رفضت القمة الإصلاح، فإنها تكون قد وفرت التربة الصالحة للتطرف. إن قواعد اللعبة تغيرت نهائيا، فقبل عام 1989 كان العالم مقسما إلى قطبين، إشتراكي بقيادة الإتحاد السوفياتي، ورأسمالي بقيادة أمريكا. والعالم الثالث بمن فيهم الحكام العرب، يحتمون إما برئيس الإتحاد السوفياتي أو الرئيس الأمريكي. لكن بعد عام 1989، لم يعد للرئيس العربي أو العالم ثالثي أي شيء يحتمي به، إلا الشعب عن طريق توفير مناخ ديمقراطي حقيقي.