كثيرا ما يصاب الأشخاص، في حال وقوع أي حادث أليم، بحالة ذعر تفقدهم التركيز وتنسيهم ما يجب فعله لمواجهة الأمر، غير أن من يتميزون برباطة جأش يدركون في الحين أن عليهم التصرف بسرعة لإنقاذ حياة الضحايا، فيتصلون فورها بالرقم 14 لطلب المساعدة من عناصر الحماية المدنية، قبل أن يفاجؤوا أن الرقم مشغول رغم محاولاتهم المتعددة.. اتصالات من مستهترين بمعدل 25 مكالمة يوميا تسيئ إلى مصداقية الخط ما يستغرق زمنا تكون فيه حياة المصابين على المحك. وطالما اتهم المواطنون أيضا مصالح الحماية المدنية بالتقصير في الوصول إلى مواقع الحوادث المختلفة، لاسيما منها حوادث المرور. كما يشار إلى أعوان هذا الجهاز بأصابع الإتهام في استغلال الخطوط الهاتفية لأغراض شخصية على حساب اتصالات المواطنين الذين يواجهون في كل مرة خط الرقم 14 وهو مشغول. “الفجر” تقربت من المديرية الولائية للحماية المدنية بالبليدة، فما كان للمكلف بالإعلام، الملازم عادل الزروق الزغيمي، إلا أن يرافقنا إلى مركز العمليات للتنسيق الولائي من أجل الإجابة على تساؤلاتنا.. قضينا يوما كاملا مع فريق المناوبة، والذين أبدوا كامل استعدادهم لمساعدتنا لإدراك طبيعة الجانب الآخر من الإتهامات التي تكال للعاملين بهذا الجهاز. وكخطوة أولى طُلب منا الجلوس أمام المجمع الهاتفي للمركز الذي لم يتوقف عن الرنين بكل خطوطه الخمس، منذ أول دخولنا إلى المكان. وعن هذا قال لنا الملازم زغيمي: “هذا المجمع لا يعرف الهدوء، 24 ساعة على 24 ساعة، والدليل أننا نحصي في هذه المدة الزمنية ما لا يقل عن 2500 مكالمة هاتفية، أي بما يعادل 15 إلى 20 مكالمة هاتفية في الدقيقة الواحدة، ونحن مطالبون بالرد على كامل تلك المكالمات”. مجانية الرقم 14 حولته لوسيلة لتمضية الوقت أما طبيعة تلك المكالمات فلا تعدو كونها، في معظم الأحيان، مكالمات بدون طائل، أصحابها ليسوا في حاجة لتدخل أعوان الحماية المدنية، بل أقصى مبتغاهم هو تمضية الوقت، ويتوزعون على كافة الأعمار.. إلا أن ما لمسناه كون غالبيتهم من الشباب ذكورا وإناثا. والأدهى من ذلك أن فئة الأطفال واحدة من الفئات المتصلة، ويبدو أن مجانية الرقم 14 حولته إلى وسيلة لتمضية الوقت والإستهتار، خاصة أن متعاملي الهاتف النقال ببلادنا أدخلوه في خانة الإتصال المجاني، فلم يبق بعدها أي رادع قانوني أو أخلاقي يمنع المتصلين من استعماله بلا فائدة أو طائل في كل وقت وحتى في ساعات الليل المتأخرة، حسب شهادات أعوان المركز. وإن كانت مهمة هذا الأخير تتمثل في تنظيم كل عمليات التدخل والإنقاذ عبر كامل الإقليم، فإن أعوانه مطالبون بالأخذ بعين الإعتبار كل البلاغات التي تردهم والتي يتبن في وقت لاحق أنها بلاغات كاذبة، ما يعني تضييع جهد حقيقي قد يكون على حساب آخرين هم في أمس الحاجة إليه. سيول من الإهانات والشتائم يستقبلها أعوان الحماية المدنية يوميا “الفجر”، ومن قلب مركز العمليات، اتخذت موقعا للرد على الإتصالات الواردة، فتفاجأنا في أول مكالمة رددنا عليها بسيل من الشتائم والكلام البذيء.. واستمر الأمر على ذلك المنوال في غالبية المكالمات التي أجبنا عليها، فيما تنوعت اتصالات أخرى بين أسئلة سخيفة وغير مستعجلة. فيما كانت المفاجأة مع متصلة أبدت دهشتها لوجود عنصر نسوي بفريق المناوبة فهي تعرف الجميع (طاقم من الشبان) من خلال أصواتهم بالنظر على مداومتها بالإتصال بالرقم 14..! ونفس الصدى تلقيناه من الجنس “الخشن” الذي أبدى استفسارات عدة حول الصوت النسوي الذي رد عليهم، ناهيك عن اتصالات لأطفال أقل ما يقال عنهم أنهم أشقياء أفلتوا من رقابة أهاليهم باستعمال الهاتف النقال كوسيلة لعب لا غير. من جهة أخرى فإن ضباط المداومة، رغبة منهم في تفادي كل أشكال الإحراج لم يتدخلوا خلال تلك المحادثات التي لم تلق إلا مصيرا واحدا و هو إقفال السماعة بكل سرعة لتفادي سماع المزيد من الإهانات، غير أنهم كانوا في نفس الوقت على يقظة تامة من أجل كل مكالمة كانت تحمل في طيها حادثا يستدعي الإعلان عن حالة طوارئ. وفي زخم المكالمات التي لا معنى لها، هناك مكالمات جادة.. ذلك أن إقفال الخط، حسبما كشفه لنا الملازم زغيمي، لا يكون من قبل الفريق المناوب وإنما من قبل المتصل، ما يعني أن وجود الخط مشغولا يقع على مسؤولية المتصلين الذين يرفضون إنهاء المكالمة والتي تبقى سارية حتى ولو وضعت السماعة في الجهة المقابلة. جهل المستهترين يدفع ثمنه طالبو النجدة الحقيقيون يجهل العابثون أن الوقت الذي يشغلون فيه خطوط المجمع الهاتفي تكون على حساب سرعة تدخل وإنقاذ الأعوان للمصابين. وحسب محدثنا دائما فإن ما يعيق التدخل السريع لا ينحصر في وقت التبليغ عن الحوادث مهما اختلفت، وإنما يمتد إلى حركة المرور وممارسات تشير إلى تعنت الكثير من مستعملي الطرقات و رفضهم فسح المجال أمام سيارة الإسعاف للوصول إلى موقع الحادث، وهو ما يحسب على الأعوان لاحقا، وعلى النظرة العامة لهذا الجهاز الحساس. وفي نهاية زيارتنا لمركز العمليات التابع للمديرية الولائية للحماية المدنية بالبليدة، أصر مرافقنا، الملازم عادل الزروق الزغيمي المكلف بالإعلام، على توجيه جملة من التعليمات للمتصلين بالرقم 14، تتصدرها “ضرورة الإتصال الفوري في حال وقوع أي حادث من أجل ضمان التدخل السريع، مع التأكيد على المعلومات المقدمة لمستقبلي المكالمات.. موجها ندائه لضمير كل من يتخذ من الرقم وسيلة تسلية، ومؤكدا في نفس السياق على تنبيه الأولياء لمراقبة أبنائهم في استعمالاتهم للهاتف النقال”. ويكفينا أن نتساءل ماذا لو لم يكن هذا الرقم مجانيا، هل كانت تلك المكالمات لتكون بذلك العدد؟ وهل يدرك أصحابها حجم الضرر الذي يسببونه والذي يمكن أن يكون مرادفا لفقدان حياة إنسان؟!.