في المشاتي والقرى النائية المتناثرة على سفوح وقمم جبال ولاية قالمة يكون لشهر رمضان طعم خاص تمتزج فيه متعة أداء الصيام وسط الطبيعة بعيدا عن صخب الحياة العصرية مع الرضا بالحال والتكيف مع الظروف المعيشية الصعبة. بين زراعة، رعي وحلب الأبقار تستقبل كثير من العائلات القاطنة بالمناطق البعيدة عن مراكز القرى والبلديات والمدن شهر رمضان من كل سنة بكثير من الترحاب تلخصه النساء بإطلاقهن الزغاريد عند رؤية هلال هذا الشهر الفضيل، خاصة في البيوت التي ما يزال فيها كبار السن على غرار الحاجة «بلدية» صاحبة 85 سنة المقيمة بإحدى مشاتي بلدية حمام النبائل التي تحافظ على هذه العادة لحد الساعة. كما تعمد ربات البيوت بمشتة «الدردارة» الواقعة على سفوح جبل «صفاحلي» بحمام النبائل من الجهة الشرقية للولاية إلى تطييب المنازل بالبخور والمسك والعنبر وماء الورد في اليوم الأوّل من رمضان ترحيبا بالزائر الكريم وإضفاء للأجواء الروحانية والإيمانية المناسبة لقدسيته. ويحرص سكانها على جعل الشهر الفضيل مناسبة لتقوية الروابط العائلية وصلة الرحم وتصفية النفوس من كل الشوائب من خلال العادة المتوارثة على مدار الأجيال وهي تبادل أطباق الطعام بين الجيران، طوال أيام الشهر المبارك، بحسب رزيق الذي أبرز أن «أكلة الملوخية من أكثر الأطباق التي تتبادلها العائلات لأنها من الأطباق الشعبية المفضلة». أما عبد الرافع وهو من سكان دوار عين معمر التابع لمشتة البسباسة ببلدية لخزارة من الجهة الجنوبية للولاية فيرى أن « رمضان بالريف حيث الهواء النقي والطبيعة العذراء تختلف كليا عن المدن والبلديات الكبيرة التي تكثر فيها الحركة» ملخصا يومياته في رمضان بالقول:» الصوم بين خدمة الأرض ورعي الأغنام وحلب البقر ليس له مثيل، كما أن العيش في قمم الجبال يعطيك الشعور بالقرب من الله». الأسواق الأسبوعية .. الحلّ بسبب ظروف العيش القاسية بالمشاتي والقرى البعيدة وانعدام فضاءات التسوّق والمحلات بها، يجبر السكان على التحضير الجيد للشهر المبارك أسابيع طويلة قبل حلوله وذلك بتوفير كميات كافية من المواد الغذائية الأساسية وفي مقدمتها الزيت والملح والسكر والقهوة وبشكل خاص قارورات غاز البوتان مدعومة بكميات من الحطب لاستعماله في الحالات الطارئة. ويذكر عبد الرافع أن سكان المشاتي عادة ما يستغلون تنظيم السوق الأسبوعية لبلدية لخزارة كل يوم إثنين من أجل اقتناء كل ما يحتاجونه لتحضير أطباقهم الرمضانية، مشيرا إلى أن «كل نسيان أو سهو لمادة من المواد قد يكون سببا في إفساد المائدة خاصة إذا تعلق الأمر بمادة الملح مثلا على اعتبار أن الوصول إلى أقرب دكان قد يجبرك على المشي عدة كيلومترات». في نفس السياق، يقول رزيق بأن «تصادف الأيام الأولى من رمضان هذه السنة مع برودة الطقس أجبرهم على استعمال الحطب في الطهي من أجل تدفئة المنزل والتخفيف من قساوة البرد الذي تشهده منطقتهم الجبلية»، مشيرا إلى أن «الاقتصاد في غاز البوتان ضروري لأن جلب قارورة غاز يتطلب جهدا كبيرا ووسيلة نقل،،وهو ما يعني بالضرورة تكاليف مالية إضافية». كلٌ مكلّف بمهمة ويضيف المتحدث بأن العيش في هذه المناطق يتطلب العزيمة والهمة العالية من كل أفراد العائلة قائلا، بأن «الرجال يجب عليهم الاستيقاظ باكرا للقيام بأعمالهم الفلاحية والتنقل بقطعانهم إلى أماكن وفرة الكلأ، ما قد يجبرهم على المشي لمسافات طويلة ذهابا وإيابا، كما تجبر النساء على الاستيقاظ باكرا أيضا لتنظيف الإسطبل قبل البدء في تحضير الفطور». عادة ما يتم تكليف الأطفال بمهمة الاستماع إلى صوت المؤذن القادم من أقرب قرية على بعد كيلومترات كثيرة، معلنا عن حلول وقت الإفطار، وهي مهمة يجد فيها الأطفال متعة كبيرة وكل منهم يحاول التموقع في الأماكن العالية باتجاه مصدر انبعاث صوت الآذان في حين يلجأ البعض إلى ضبط الراديو على موجات الإذاعة المحلية التي تبث آذان المغرب على المباشر أو الاتصال بالهاتف المحمول ببعض معارفهم حيث توجد المساجد. رحيل حفظة القرآن ومن أكثر العادات بالدواوير والمشاتي التي لا تتوفر على مساجد هي تأدية صلاة التراويح فرادى بالمنازل على خلاف ما كانت عليه في الأزمان السابقة حيث يخصّص مكان في الفضاء المفتوح أو ركن في إحدى البيوت للصلاة الجماعية وتلاوة القرآن، حيث أرجع سكان هذه المناطق السبب إلى رحيل الشيوخ الحافظين للقرآن وعدم استلام الشباب للمشعل. أما السهرات الرمضانية فعادة ما تحييها العائلات بالاجتماع في المنازل على مائدة الشاي وتبادل أطراف الحديث والألغاز أو «المحاجيات»، في حين يفضل بعض الشباب التنقل لمسافات طويلة وسط الظلام للتجمع في «الدكان الوحيد» الذي عادة ما يتوسط عدة مشاتي بكل منطقة لقضاء أوقات طويلة في لعب الأوراق أو لعبة « الخاتم» الشعبية. في هذا السياق، يقول الشيخ بن بوخلط وهو من البدو الرحل القادمين من ولاية الجلفة الذين نصبوا خيامهم بإحدى مشاتي جبل لمدور ببلدية عين رقادة أن « قضاء يوم كامل من الصيام في رعي الأغنام يجعل من التجمعات الليلية على إبريق القهوة أو الشاي المحضر على النار الوسيلة الأفضل لنسيان التعب والارهاق.»