مجلس الأمن مطالب بتحمل مسؤولياته وتنفيذ قرارته لوقف العدوان الصهيوني على قطاع غزة    اتحاد الكتاب والصحفيين والادباء الصحراويين: الاحتلال المغربي يواصل محاولاته لطمس الهوية الثقافية الصحراوية    وزارة الدفاع الوطني :حجز 41 كلغ من الكوكايين بأدرار    حيداوي يتحادث بأديس أبابا مع وزيرة المرأة والشؤون الإجتماعية الاثيوبية    حج 2025: برمجة فتح الرحلات عبر "البوابة الجزائرية للحج" و تطبيق "ركب الحجيج"    عطاف يتلقى اتصالاً هاتفيا من نظيره الفرنسي    ربيقة يبرز ببرلين التزامات الجزائر في مجال التكفل بالأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصة    بشار تستفيد قريبا من حظيرة كهروضوئية بطاقة 220 ميغاوات    سوناطراك تبحث دعم الشراكة مع "سيبسا" الإسبانية في الطاقات النظيفة    رئيسة المرصد الوطني للمجتمع المدني تستقبل ممثلي عدة جمعيات وطنية ومحلية    أوبك+ : عرقاب يشارك السبت المقبل في الاجتماع ال 59 للجنة المراقبة الوزارية المشتركة    حج 2025: برمجة فتح الرحلات عبر "البوابة الجزائرية للحج" و تطبيق "ركب الحجيج"    المجلس الوطني الصحراوي يدعو الى الضغط على الاحتلال المغربي من أجل الانصياع للشرعية الدولية    الفروسية: المسابقة التأهيلية للقفز على الحواجز لفرسان من دول المجموعة الإقليمية السابعة من 10 إلى 19 أبريل بتيبازة    كرة القدم/ترتيب الفيفا: المنتخب الجزائري يتقدم إلى المركز ال36 عالميا    الاحتلال الصهيوني يواصل عدوانه على مدينة طولكرم لليوم ال67 على التوالي    الصندوق الجزائري للاستثمار يتوسع عبر الوطن    الرئيس ونظيره التونسي يتبادلان التهاني    المولودية تنهزم    48 لاعباً أجنبياً في الدوري الجزائري    ثامن هدف لحاج موسى    الحسني: الجزائر شامخة وعزيزة    تحديد شروط عرض الفواكه والخضر الطازجة    التزام مهني ضمانا لاستمرارية الخدمة العمومية    جمعيات تصنع لحظات من الفرح للأطفال المرضى    الإعلام الوطني مُطالَب بالاحترافية والمسؤولية    قِطاف من بساتين الشعر العربي    في الأيام الأخيرة للانتصار في غزّة    نواب فرنسيون يستنكرون فضيحة الخريطة    سونلغاز" يهدف ربط 10 آلاف محيط فلاحي خلال السنة الجارية"    سجلنا قرابة 13 ألف مشروع استثماري إلى غاية مارس الجاري    القنزير " … اللباس التقليدي المفضل لدى الشاب في الأعياد الدينية    أشاد " عاليا" بأداء إطارات و مستخدمي كافة مكونات القوات المسلحة    استشهاد 408 عاملين في المجال الإنساني بغزة    مراجعة استيراتجيات قطاع الثقافة والفنون    سعي ترامب للاستيلاء على بلدنا ومعادننا غير مقبول    فتح معظم المكاتب البريدية    الجزائر تودع ملف تسجيل "فن تزيين بالحلي الفضي المينائي اللباس النسوي لمنطقة القبائل" لدى اليونسكو    تنافس كبير بين حفظة كتاب الله    تضامن وتكافل يجمع العائلات الشاوية    ترحيب واسع من أحزاب سياسية وشخصيات فرنسية    حشيشي يتفقّد الميناء النّفطي بالعاصمة    شتوتغارت الألماني يصرّ على ضم إبراهيم مازة    بلومي يستأنف العمل مع نادي هال سيتي الإنجليزي    حضور عالمي وفنزويلا ضيف شرف    "تاجماعت" والاغنية الثورية في الشبكة الرمضانية    فتح باب المشاركة    الجزائري ولد علي مرشح لتدريب منتخب العراق    برنامج خاص لتزويد 14 ألف زبون بالكهرباء في غرداية    "الكسكسي, جذور وألوان الجزائر", إصدار جديد لياسمينة سلام    اللهم نسألك الثبات بعد رمضان    فتاوى : الجمع بين نية القضاء وصيام ست من شوال    توجيهات وزير الصحة لمدراء القطاع : ضمان الجاهزية القصوى للمرافق الصحية خلال أيام عيد الفطر    لقد كان وما زال لكل زمان عادُها..    6288 سرير جديد تعزّز قطاع الصحة هذا العام    أعيادنا بين العادة والعبادة    عيد الفطر: ليلة ترقب هلال شهر شوال غدا السبت (وزارة)    رفع مستوى التنسيق لخدمة الحجّاج والمعتمرين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من يستغربون تفسير القرآن من وزير جاهلون بالقرآن
نشر في الحوار يوم 25 - 04 - 2015


حاوره: محمد دخوش
يقبل الشيخ أبو جرة سلطاني على مشروع مهم في حياته بل لعله الأهم يتعلق بتفسير القرآن الكريم، وهو استحقاق ينتظره الرأي العام بشغف ليعرفوا الجديد الذي جاء به الرجل في ميدان لم يلجه إلا كبار العلماء في التاريخ، وإذا كانت قدرة الرجل لا يشق لها غبار في العلم والتفسير، فإن الرأي العام ينتظر بشغف لمسة ذلك الرجل السياسي والوزير ورئيس الحزب في ميدان بعيد كل البعد عن السياسة، كان لنا مع الشيخ هذا الحوار الصريح والشيق.
الحوار : أين اختفى الشيخ أبو جرة في المدة الأخيرة ؟ وكيف أثرت عليه أزمة مرض ابنه ؟ وهل وجد التضامن المطلوب من الرفاق والأصدقاء والمسؤولين؟
أبوجرة : خلق الله الحياة دولا بين الناس، فهذا يعطيه وذاك يمنعه، وهذا يعزه وذاك يذله، يرفع أقواما ويضع آخرين، ومن يعتقد أنه وصل إلى موقع مرموق بقدرته فليسأل نفسه عن مصير الذي كان من قبله، أين ذهب؟ وكيف ذهب؟ ولماذا ترك مكانه لغيره؟ عندما ولدت لم أستلم من والدي رحمة الله عليه "توكيلا" بالخلود في الوزارة ولا "تفويضا" بميراث حركة مجتمع السلم، إنما هي مقادير الله الجارية ومشيئته الفاعلة، وما تسمونه "اختفاء" كان وضعا طبيعيا يجري على كل من كان صدرا فصار ساعدا أو كان رأسا فصار ميمنة أو ميسرة، وقد تلقيت قضاء الله وقدره بعفو الله ولطفه، وما أصابني كان محنة في طيّها منحة، فقد أبعدتني عن الأضواء السياسية لكنها قربتني من الأنوار الربانية، فعرفت رجالا أحاطوني بكل الاحترام وقدموا لي أكثر من مجرد التضامن المعنوي، فقد وقفوا إلى جانبي حتى مرت الصدمة الأولى بعفو الله بعد قضائه، والحمد الله الذي جعل مع كل عسر يسرين.
الحوار : واضح جدا أن الاختفاء أنجب لنا تفسيرا للقرآن الكريم، كيف جاءت الفكرة ولماذا التفسير بالضبط دون غيره من الكتابات الدينية ؟
أبوجرة : أحيانا يجد الإنسان الخير فيما يكره، وهذا الذي حدث لي خلال تجربة الابتلاء بشيء من صدمة فلذة الكبد، فقد وجدت نفسي أقضي كل يوم ما بين 16 إلى 18 ساعة بالمستشفى، أراقب تطورات صحة نجلي، فكان القرآن أنيسي، فلما جاء شهر رمضان المعظم سنة 2013 التمس مني بعض الإخوة القائمين على إدارة المساجد والمراكز الإسلامية في أوربا إلقاء سلسلة من الدروس الرمضانية حول محاور قرآنية مختلفة، فلما شرعت في اختيار هذه المواضيع انقدحت في ذهني فكرة توطيء القرآن للشباب وتيسير الفهم بلغة يفهمونها، فبدأت بسورة النساء ثم التوبة، فأشار علي بعض الإخوة الكرام استكمال بقية السور بالمنهج نفسه، أي منهج تفاعل القرآن مع حركة الحياة، فعقدت العزم على التفرغ لهذه الهدية الربانية، وشرعت في محاولة تفسير القرآن الكريم بمعدل 08 ساعات يوميا، والحمد لله أنهيت الآن تفسير ما يقرب من نصف القرآن، من الفاتحة إلى يوسف عليه السلام.
الحوار: لماذا تفسير القرآن وليس كتابات دينية أخرى؟
أبوجرة : عندما تفسر القرآن تكون قد لامست جميع العلوم الشرعية، وأخذت بناصية حركة الحياة واستدعيت جوهر ما يحتاجه كل مسلم بل كل إنسان، لاسيما إذا لم تتورط في القضايا الفقهية والاختلافات المذهبية وضغط القضايا الطارئة، وتركت القرآن يفسر نفسه في استعلاء قيمه واستقامة منهجه وصفاء عقيدته وقدرته الخارقة على الإقناع وصناعة الإنسان وبناء المجتمعات.
الحوار: استغرب الكثير كيف لرجل سياسة ووزير سابق أن يفسر القرآن الكريم، كيف ترد عليهم؟
أبوجرة : الوزارة ورئاسة الحركة والنيابة في البرلمان..كلها كانت محطات صقلت الرصيد العلمي والتجربة الدعوية المكتسبة من التدريس في الجامعة والعمل في حقل الدعوة لمدة تنوف عن 35 عاما، لذلك لما عشت مع كتاب الله تعالى ألفيت هذا الرصيد زادا ضخما أثرى الدرس النظري وأعطى للتفسير كثيرا من الواقعية شكلت بعدا اجتماعيا واسعا وعمقا سياسيا مطلوبا وخلفية مهمة في إدارة الشأن العام، وحينما تطلعون على تفسير سورة يوسف عليه السلام مثلا سوف تلمسون الفرق بين من يفسر القرآن نظريا ومن يفسره عمليا، والذين يستغربون من وزير وسياسي يكتب حول القرآن الكريم أويستعين بالله على تقديم "قراءة " متجددة لكلام الله هم قوم يجهلون حقيقة كتاب الله تعالى الذي أنزله الله لينظم حركة الحياة كلها من الفرد إلى الدولة وليس ليقرأ على الأموات أو "يسجن" بين جدران المساجد، فالله لم يعين "ناطقا رسميا" باسم الدين، ولم يجعل فهم كتابه حكرا على مسمى ظلما "رجال الدين" وإنما فتح باب الاجتهاد في التجديد بشروط صارمة وضوابط دقيقة أحطنا بها علما وتفاعلنا معا إيجابيا، وحاولنا توظيفها في تجديد فهم كثير من القضايا الطارئة على فهم أبناء الإسلام في ضوء القرآن الكريم لتبديد العديد من الإشكاليات المطروحة على الأمة الإسلامية كتحديات واجبة الدفع بعد الفهم والتعاطي الإيجابي معها كأولوية فرضت نفسها في مفهوم ما صار يُعرف ب "الإسلام السياسي".
الحوار : هل نفهم من كلامكم أنكم ركزتم على البعدين الاجتماعي والسياسي في تفسيركم هذا؟
أبوجرة : لا..ليس هكذا نحوُنا ولا مذهبنا ولا منهجنا في التفسير، وإنما استصحبنا هذين البعدين في استعراض المقاصد الكبرى للقرآن الكريم، ووظفنا تجربتنا في إدارة الشأن السياسي في فهم بعض النصوص ذات الصلة بحياة المسلم في القرن الواحد والعشرين.
الحوار : يرى البعض أن هجرتك للسياسة هي خطأ قاتل لأن مكانك الطبيعي هو الفكر والدعوة والخطابة والتأليف ؟
أبوجرة : لم تكن هجرة بالمعنى الجغرافي ولا بالمفهوم الوظيفي لها، إنما كان ضربا من التجارب الإضافية التي تضفي على ما كان درسا نظريا بعدا واقعيا، فالتدريس بالجامعة تجربة، والعمل في الحقل الدعوي تجربة أخرى والتعاطي مع الشأن السياسي تجربة ثالثة، وممارسة العمل الإداري في تسيير أربع وزارات تجربة أعطت قيمة مضافة..الخ، فلما التفتنا من هذه الجبهة الميدانية إلى جبهة العمل العلمي الدعوى اكتشفنا أن رصيدنا قد تضخم وتنوع وصار بالإمكان النظر إلى كثير من آيات القرآن الكريم نظرة تجديدية لها بعد تجربتي لم يكن مطروقا في تفاسير السابقين، وهذه إحدى ميزات ما سميناه: تفسير المؤمنين، أي نقْل المسلم من همومه اليومية وشؤونه الصغيرة إلى حقيقة الرسالة التي من أجلها خلقه الله واستدعاه إلى هذا الوجود.
الحوار : هل هي عودة نهائية للفكر والدين أم أنه استهوتك السياسية ولن تطلقها؟
أبوجرة : عندما تصبح الصلاة والزكاة والنسك والمحيا والممات لله رب العالمين تصبح كل الأرض مسجدا وطهورا ، فلا نفرق بين فكر ودين أو بين سياسة واقتصاد، كما لا يشعر المؤمن، وهو يمارس أية وظيفة، بحاجته إلى أن يكون في الميمنة أو في المسيرة أو في الوسط، في المقدمة أو في المؤخرة، في الدعوة أو في الدولة، فهل كان يوسف عليه السلام نبيا أم كان وزيرا على خزائن مصر أم كان داعية ؟ أو هو كل ذلك؟ لقد نجحت دعوة العلمانية في فصل الدين عن الدولة وفي صبغ الفكر الإسلامي بمسمى "اللائكية "فصار بعض أدعياء الإسلام يتحدثون عن دعوة ودولة ورجال دين ورجال دولة، وعن عمل إسلامي وعمل سياسي..الخ، وهي كلها وظائف حياتية لا تخرج عن وسائل التوجيه والتأطير والتجنيد لخدمة الصالح العام، في حين أن حقيقة هذا الدين أوسع من أن نحصره في "دعوة" زيد أو "دولة" عمرو، ولذلك لم يفسر علماؤنا كتاب الله إلاّ لزمانهم بمعطيات زمانهم ليظل عطاء الله متاحا لكل الأجيال تجديدا لهذا الدين وانفعالا مع أسراره في الكون و الحياة.
الحوار : هل لا يزال الشيخ أبو جرة يطمح لأدوار سياسية متقدمة مثل العودة لرئاسة الحركة أو رئاسة الجمهورية ؟
أبوجرة : أطمح إلى مرضاة الله، فهذه هي الغاية الكبرى من كدح الإنسان في الحياة وما سواها فوسائل مساعدة على الوصول، فأفضل الناس عند الله أتقاهم في نفسه وأنفعهم للناس، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، فالمسألة ليست حنينا إلى وزارة ولا طمعا في رئاسة وإنما هي أدوات للعبادة في أبعادها الإجتماعية إذا توفرت لها شروط إخلاص النية وصوابية العمل ونبْل المقصد وحسن الأخذ بالأسباب.
الحوار : بالعودة إلى التفسير ما هو جديدك عن باقي التفاسير وهل أخذت بعين الاعتبار مستجدات الوضع في العالم الإسلامي خاصة موجة التكفير والحروب وما يسمى بالربيع العربي والخروج عن الأنظمة ؟
أبوجرة : لو كنت راغبا في معالجة النوازل الطارئة على أمتنا لذهبت إلى تقعيد "فقه النوازل" ولعالجت ظاهرة التكفير، والخروج عن الحاكم، والجهاد، والإرهاب، والحرابة، والسبي، والدولة الإسلامية..الخ لكن المنهج الذي اعتمدته ليس منهجا استقرائيا ولا وصفيا ولا معياريا، يرصد الأحداث ويعيد الربط بالأصول ويحللها و يقدم العلاج لها ، فهذا ميدانه الدراسات والأبحاث، أما تفسير القرآن فيضع القواعد الكبرى لهذه الأحداث ليعيد إدراجها في سياقاتها دون أن تتحول النصوص القرآنية رهينة لضغط الواقع، فقد تناولنا هذه القضايا كلها في سياق تفسير آيات الأحكام، ولكننا لم نربطها بزمان حدوثها، ومكان وقوعها لأنها حدثت في أزمنة غابرة وتجددت اليوم بصيغ أخرى وسوف تعيد استنساخ نفسها باستمرار طالما فوق وجه الأرض حق وباطل، وهداية وضلالة ونور وظلمات، فلا يليق بمن يتعامل مع كتاب الله أن تحبس هذه التوترات العارضة أنفاسه وكأنها مناسبات نزول، ونحن نعلم أن العبرة في عموم اللفظ لا في خصوص السبب فالذي يتعامل مع كلام الله ليس مراسلا ميدانيا يصف الواقع مراحل فإذا وضعت الحرب أوزارها وجد تفسيره قد لفظ حياته واستنفد أغراضه.
الحوار : كيف ستتعامل مع باقي التفاسير هل بالاستفادة أم بالمناقشة أم بالرد خاصة تفسير سيد قطب ؟
أبوجرة : قرأت الظلال كما قرأت عشرات التفاسير، ولاحظت أن كل تفسير يركز على مقاصد بذاتها ربما كانت ميزة عصر المفسر فرآها أولية فأدرج الحديث عنها في إنجازه حتى صار جوهر ما كتب وغاية ما تقصَّد إبرازه للناس، وسيد قطب، رحمة الله كتب "ظلال القرآن" في ظروف السجن والإعتقال والتعذيب، وإبعاد الإسلام عن سدة الحكم وعن حركة الحياة، فكان تركيزه ثقيلا على نقطتين هما :
الحاكمية لربط التصور الحركي بعمقه الإيماني كجزء من العقيدة التي لا يراها كاملة إلاّ إذا تلاحم الإيمان بواقع الحياة وخضعت حركة المؤمنين لمقتضى هذا الدين وتكاليفه في التشريع والتحكيم، ثم الدينونة التي تعني عنده الخضوع المطلق والكامل واللاّ مشروط لحرفية هذا الدين وإقامة العلاقات السياسية والاجتماعية والتجارية..مع الذات ومع العالم الخارجي على أساس هذه الدينونة في السلم والحرب.
هذه نظرة تأصيلية كتبها سيد قطب (رحمه الله) قبل إعدامه سنة1965، ولقد تغير العالم كثيرا خلال الخمسين سنة الماضية والأمر يحتاج إلى تثبيت ما يجب تثبيته و تحرير ما يجب تحريره ليكون الفرق واضحا بين كلية الحكم في التشريع والتدرج في تطبيقه، وقد أوضحنا هذه المسائل بشكل مستفيض في الآيات المتحدثة عن الحكم بما أنزل الله، ولاسيما في سورتي المائدة والتوبة.
الحوار : اختلطت الكثير من المفاهيم السياسية مع المفاهيم الدينية، كيف تتعامل معها بمنطق سياسي أم بمنطق ديني (الربيع العربي مثلا)؟
أبوجرة : أوضحت هذه المسألة في جوابي عن سؤال سابق، وأضيف، إن منهجية تفسير القرآن، مهما كان المنهج الذي يختاره المفسر لنفسه، لا ينبغي أن تقع في فخ الوقائع العارضة، إنما يجب أن تسمو بسمو كلام الله الذي وضع القواعد الضابطة لحركة الحياة والمتحكمة في سلوك الناس أفرادا وجماعات وأنظمة ودولا، وفي العلاقات بين المؤمنين وغيرهم في السلم والحرب، ثم يقاس ما هو حادث على هذه القواعد الكلية فالقرآن "وحدة قياس" عالمية وإنسانية في جميع أقضية الحياة في الإيمان والتشريع وفي العلاقات العامة بين الناس في جميع أقضية الحياة، فما خضع له أو لم يتصادم معه فهو صواب و ما خرج عنه أو عارضه فهو خطأ، سواء كان الحديث عن مناشط الحياة العادية متعلقا بالشؤون الاجتماعية والاقتصادية أو كان ذا صلة بشؤون السلم والحرب والتحولات الكبرى كما حصل في مسمى "الربيع العربي"، أو أخذ شكل احتجاج اجتماعي أو حركة تمرد أو حرابة أو خروج عن سبيل الله أو انقلاب عسكري..فالإسلام لا يُقعّد للأحداث الطارئة إنما يضع الأطر الكلية التي تستوعب حركة الحياة كلها.
الحوار : نعيش في هذا العصر فتنة العلماء إذ يقف بعضهم موقف النقيض من البعض الآخر (انقلاب مصر والثورات كمثال)، كيف تفهم الوضع وكيف ستعالجه في التفسير ؟
أبوجرة : هذه ظاهرة مؤسفة، فالأصل في العالم أن "يُفصّل" الحكم على مقتضيات القرآن والسنة ثم يقيس ما يطرأ من أحداث على مقتضى أحكام الشرع فما طابقها أو لم يناقضها فهو الحق وما تعارض معها فهو الباطل، أما محاولة تطويع الفتوى للحاكم أو "تفصيل "الحكم تحت الطلب فهذا لا يسمى تفسيرا وفتوى، إنما هو تزلف للسلطان يتحمل علماء البلاط وحدهم تبعات ما ينجّر عنه من تبعات في الدنيا والآخرة، لاسيما إذا تعلق الأمر بالدماء والأعراض.
الحوار : أنت عشت مخاض التسعينات، البعض يشبه موقف إخوان الجزائر من توقيف المسار الانتخابي بموقف حزب النور من الانقلاب في مصر، هل أنت مع هذه المقاربة ؟
أبوجرة : قد تتشابه المواقف في هذا القطر أو ذاك مع هذا التيار أو ذاك، لكن القرائن تختلف زمانا ومكانا وحالا وإنسانا، فإذا سالت الدماء، وجب على العلماء أن يعطلوا كثيرا من الأحكام ذات الأصل الاجتهادي البشري المحكومة بظروف الزمان والمكان والحال، ويجعلوا الأولوية الأولى حقن الدماء، كون حفظ النفس هي أولى الأولويات في مقاصد الشريعة كلها، و قد تتقدم على تطبيق الشريعة نفسها على قاعدة أن دفع المضار مقدم على جلب المنافع، ودرء الحدود بالشبهات قاعدة ذهبية، فإذا تشابه موقف حمس مع موقف حزب النور السلفي في مصر بشأن حقن الدماء والدفاع عن الحريات العامة والخاصة كمقصد أساس من مقاصد الشريعة وضرورات الحياة، فهذا هو الأصل، أما إذا كان التشابه لأغراض سياسية أو لمكاسب حزبية فالحرية مقدمة على المغانم وكرامة الإنسان فوق جميع المغارم، وحرمة الدماء والأعراض مسألة إجماع انعقد بشأنها إجماع علماء الأمة وفقهائها وأئمتها.
الحوار : في عهدك انقسمت حمس على أشطار عدة هل تتحمل جزء من المسؤولية، وإذا عاد بك الزمن هل تمسك رئاسة حركة مقبلة على الانقسام ؟
أبوجرة : انقسمت الأمة في عهد من هو أفضل مني سبقا و تقوى وورعا وعلما إلى "صفين" ولم تتوحد إلا بعد مرور سنوات طويلة، لأن القلوب بيد الله، وعندما تغيب مخافة الله من قلوب بعض ذوي الطموحات المتضخمة، تحل محلها الأنانيات الهادمة لكل شيء جميل، ويضيع المشروع أو يتفتت، وقد كنت مسؤولا عن حركة رفعت شعار "من التأسيس إلى المؤسسة " في مؤتمرها الثالث سنة 2003 بعد أن فقدت رئيسها ومؤسسها "الشيخ نحناح" رحمه الله، فتحمّل كل طرف جزءا من مسؤولية الانقسام، والله وحده هو العليم بنيات كل متسبب فيما حدث، ولكني لا أتهرب من مسؤولياتي وأتحمل قسطي في المسؤولية التي دعاني إليها إخوتي في ظروف كانت جدّ حساسة.
الحوار: البعض يطعن في منهج الإخوان على أساس أن 80 سنة لم تجر معها سوى المحن والإعدامات والأخطاء، هل تعتقد أن الجماعة في طريق الانقراض؟
أبوجرة : يقول الناس ما يشاؤون عن هذه الحركة التي تحولت إلى مدرسة عالمية، فتحت أبوابها لجميع روادها من دعاة الوسطية والاعتدال منذ سنة 1928 بالتربية والتكوين وتأثر العالم كله بمنهجها، وتعرض كثير من علمائها ودعاتها للتعذيب والإعدام، فظهرت منها بعض التيارات المتطرفة التي ردت الفعل بعنف ممن كانوا خريجي السجون، وهؤلاء لا يمثلون بكل تأكيد خطها العام ولا خطابها الدعوي والسياسي، فخطها العام ظل سلميا، وله وجود في العالم كله، ومهما حاول أعداء الوسطية دفعه إلى التطرف لاستئصال شأفته فإنه لن يضعف ولن ينقرض، بل سيتخطى هذه المحنة ويكتسب تجربة جديدة اسمها الإبتلاء بالمنحة بعد أن حقق نجاحا باهرا في مسار الإبتلاء بالمحنة.
الحوار : البعض يرى نهاية عهد الأحزاب الإسلامية بل يحملها تبعات الفتن كيف تنظر للموضوع ؟
أبوجرة : إذا كنت تقصد بالأحزاب الإسلامية دعاة استنساخ التاريخ ممن مازالوا يدندنون حول فقه الأحكام السلطانية، ويتحدثون عن دار الحرب ودار السلام ويرافعون باسم "دفع الجزية" بمفهوم فقه المتغلب..الخ، فهؤلاء مصيرهم أن يدير لهم الرأي العام ظهر المجن بالنبذ والإبعاد، وقد رأينا ذلك في أقطار كثيرة، أما إذا كان سؤالكم عن الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية التي جددت خطابها وعصرنت فقهها وتحولت من "فقه الجماعة" إلى فقه المجتمع، وصارت تنازل خصومها بالبرامج الإنمائية لا بالخطاب الإيديولوجي، فإن أمرها مختلف تماما، وأراها تقطع خطوات بطيئة ولكنها ضامنة الوصول إلى المساهمة في بلورة معالم الدولة المدنية المنشودة القافزة فوق جراح التاريخ إلى إدارة الشأن العام، إذا تجاوزت عقدة الخلافات التاريخية والأنانيات الحزبية، وفقهت سنن الله في التغيير والتداول واستمزجت فقه المآلات بفقه النوازل.
الحوار : ماذا تتوقعون لتفسيركم المسمى "تفسير المؤمنين"؟
أبوجرة : الله قال "كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"، هذه قاعدة عامة وحيادية ومضطردة، فإذا كان تفسيري زبدا فسوف يذهب جفاء، وإذا لمس فيه الناس ما هو نافع لهم في دينهم ودنياهم وعاقبة أمرهم، سوف يمكث في قلوبهم وعقولهم ويعينهم على ضبط حركة حياتهم ويكون لصاحبه ووالديه ومعلميه وكل ما أعانه ولو بدعاء صدقة جارية، والحمد لله رب العالمين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.