لمّا أتمّت مريم عليها السّلام أيّام حملها وهي في بيت لحم، واشتد بها المخاض فأجأها إلى جذع نخلة يابسة، فاحتضنت الجذع لشدّة الوجع وولدت بالسيّد المسيح عليه السّلام، فقالت لمّا خافت من إنكار قومها واتّهامهم لها عند رؤية وليدها ''يا ليتني مِتُّ قبل هذا وكُنتُ نِسْياً مَنْسِياً''. وضعت مريم البتول طفلها، وهزّت جذع النخلة الّتي لا تمر فيها، فتساقط عليها الرطب الجَني النّاضج، فأكلت من الرطب وشربت من النّهر الّذي أجراه الله لها في مكان لا نهر فيه، إكراماً منه سبحانه وتعالى لها على إيمانها وصلاحها وطاعتها لله عزّ وجلّ. أتَت الطاهرة وليدها تحمله على يدها، فلمّا شاهدوه فزعوا لهذا الحدث العظيم وأخذوا يظنّون بها الظنون، كيف لها وليد وهي لم تتزوّج بعد، وهنا سكتت مريم، وأشارت إلى وليدها الرضيع ليتكلّم معهم، وليجيبهم على أسئلتهم الّتي وجّهوها إليها، فأجابهم ''قال إنِّي عبدُ الله آتاني الكِتاب وجعلني نبياً، وجعلني مُبَاركاً أَيْنَمَا كنتُ وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دُمتُ حياً، وبَرّاً بوالدتي ولم يجعلني جبّاراً شقياً، والسّلام عليّ يومَ وُلدتُ ويوم أموت ويوم أُبْعَثُ حياً''. ولمّا بلغ عيسى من العمر ثمانية أيّام حملته أمّه مريم إلى الهيكل فختن، وسمّته يسوع، يعني عيسى، كما أمرها جبريل حين بشّرها به، ونشأ في كنف أمِّه بعيدين عن بيت لحم في ربوة مرتفعة ذات استقرار وأمن وماءٍ مَعين.