النوم والعصبية الشديدة لدرجة الاعتداء على الزوجة أو الأبناء وكل من يصادفه، ثم التسلية بلعب “الدومينو” و”الكارطة” طول الليل.. هكذا يقضي فارس الذي يعترف بأنه مدمن على شرب الخمر في شهر رمضان، بينما يختار مدمنو خمور آخرون تعويض الخمر بالمخدرات، بحجة أن القرآن لم يحرّم المخدرات صراحة! بعد بحث شاق وطويل التقينا بعض مدمني الخمر، القدامى والجدد، وحاولنا التعرف على أحوالهم في شهر الصيام. في البداية واجهنا صعوبة شديدة، حيث اعتبر عدد من الذين تحدثوا لنا أن في الأمر بعض السخرية منهم، وأكدوا أن الإدمان درجات تختلف من شخص لآخر. وأغلب من تحدثوا لا يعتبرون أنفسهم مدمنين لدرجة تأثير الصيام عليهم، رغم أن بعضهم لا يفارق زجاجة الخمر، وأكد لنا بعض هؤلاء بأنهم يتوقفون عن تناول الخمر 40 يوما أو شهرا قبل حلول شهر رمضان، دون أي مشاكل نفسية وتأثيرات. شاب في الثلاثين من العمر يعمل في شركة نفطية كبرى في حاسي مسعود، اخترنا له اسم مراد، يقول: “أدمنت شرب الخمر قبل 5 سنوات، كون الشركة التي نعمل بها تقدّم الخمور مجانا لعمالها، وأغلبهم أجانب، وبعد مرور سنتين على عملي في الشركة صرت أشرب ما لا يقل عن 3 أو 4 لترات من مختلف أنواع المشروبات الكحولية، والآن أضطر لتعويض الخمر في شهر رمضان بالكيف الذي يتوفر في رمضان ولا يثير تناوله انتباه الناس”. ويضيف مراد: “أحصل في كل سنة على عطلتي السنوية في رمضان، وأقضي أكثر من 15 ساعة يوميا في النوم، ولا ينقضي يوم دون أن أضرب فيه زوجتي أو أسبّها، لكنني أعود وأطلب منها الصفح بعد الإفطار”. أما صديقه، الذي طلب عدم ذكر اسمه هو الآخر، فيؤكد بأن تأثير غياب الكحول والنيكوتين على جسمه يصيبه بالشلل، ويحوّل الأيام الأولى من شهر رمضان إلى عذاب نفسي وجسدي رهيب، يقول: “أطلب قبل رمضان من أصدقائي وزوجتي وأمي وأقاربي عدم الحديث إليّ طيلة ساعات الصيام، وأعمد إلى إطفاء هاتفي النقال وإغلاق غرفة نومي وعدم السماح لأي أحد بإثارة الضوضاء أو الحديث بصوت عال قرب الغرفة. وأتسلل في الساعتين الأخيرتين من المساء إلى السوق لشراء مستلزمات البيت، ولا ينقضي شهر رمضان دون أن أدخل في عراك مع الباعة والزبائن في السوق، أما في الليل فألتقي بأصدقائي لتدخين الكيف لساعة أو ساعتين وهذه هي يومياتي في شهر رمضان”. الامتناع عن شرب الخمر 40 يوما قبل رمضان يتوارث المدمنون على شرب الخمر في الجزائر عادة قديمة هي الامتناع عن شرب الخمور 40 يوما قبل حلول شهر رمضان، ويقول “ز.أ”، ذو السبعين عاما، الذي كان يعمل في السابق في بيع المشروبات الكحولية: “كنا نغلق محلاتنا قبل شهر من رمضان ونفتحها بعد عيد الفطر إكراما للشهر الفضيل. وخلال العهد الاستعماري كان أصحاب الحانات من المعمّرين يمنحون العمال المسلمين عطلة مدفوعة الأجر، وكان أغلب المدمنين على شرب الكحول يمتنعون طواعية عن شربها 40 يوما قبل حلول شهر رمضان”. وأضاف محدثنا أن الإقبال على “الكيف” في شهر رمضان يتضاعف، حيث كانت السلطات الفرنسية تتساهل مع بائعيه وتسمح بتداوله في بعض المقاهي الشعبية، ويضيف محدثنا، الذي أقلع، كما يقول، عن شرب وبيع الخمر منذ 35 سنة، “كنا نجلّ ونحترم رمضان لدرجة لا يمكن تصورها”. ويجهل المتحدث أصل عادة الامتناع عن ارتكاب المعاصي وشرب الخمر 40 يوما قبل حلول رمضان، لكن الباحث في التاريخ سهيل جمال يقول إن هذه العادة انتشرت بشكل كبير خلال حكم حمودة باشا بتونس في العهد العثماني، ويرى الفقهاء أن أصل هذه العادة هو سوء تفسير الحديث الشريف الذي جاء فيه أن “من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب اللّه عليه، فإن عاد لم يقبل اللّه له صلاة أربعين صباحًا”، وتؤكد مراجع الدين الإسلامي بأن شرب الخمر حرام في كل وقت، ولا يرتبط بمهلة زمنية وهو من الكبائر. سهرات “الدومينو” و”الكارطة” لنسيان كأس الخمر يفضّل الكثير من المدمنين تمضية أوقاتهم بلعب “الدومينو” و«الكارطة” طيلة ليالي شهر رمضان لنسيان الخمر، ويلتقي لاعبو “الدومينو” كل ليلة ولا يتفرّقون إلا في موعد الإمساك، وفي أغلب الحالات فإن المدمنين يعرفون بعضهم البعض جيدا ويلتقون في هواية جديدة. ويقول “م.حمودي”: “نلتقي يوميا بعد الإفطار كل ليلة في بيت أحدنا، وبدل الغيبة والنميمة نسهر إلى الفجر حول طاولة الدومينو، ولا علاقة لما نقوم به بنسيان شرب الخمر، لكننا جماعة تعوّدنا على السهر معا ونحافظ على العلاقة نفسها، حتى في غياب سبب اجتماعنا وهو الشراب”. وفي العادة فإن جلسات “الدومينو” هي شديدة الصخب ويكثر فيها التدخين، لدرجة أن السجائر تبقى مشتعلة طيلة الليل، ويقول هنا الدكتور المتخصص في الأمراض العصبية والنفسية، محمد مهراج، “أن لعب الدومينو على الطريقة الجزائرية له تأثير نفسي شديد وشدّ عصبي يفرض على اللاعب التركيز، وما يدخله من تدخين في حالة غياب ظرفي عن الواقع لا تختلف كثيرا عن تأثير الخمور والمسكرات”.