حملت رسالة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، أمس، بمناسبة لقاء الحكومة مع الولاة، ألفاظا وتعابير واتهامات خطيرة، وكأن النظام في حرب مع عدو مجهول، مثل “الدوائر المتربصة” و”الخلايا الكامنة” و”الزج بالبلاد نحو المجهول” و”النوايا الدنيئة”. لم يسبق للرئيس بوتفليقة أن كانت رسائله التي يقرأها عنه الوزراء ومستشاروه في الرئاسة، في المناسبات الوطنية، بهذه الحدة، مثلما ورد أمس في خطابه الذي تلاه أمين عام الرئاسة حبة العقبي بنادي الصنوبر في العاصمة، لكن دون تحديد من يقصد بالضبط، أو الإشارة إليه بملمح معين. ويرى بوتفليقة في رسالته أنه “من الطبيعي اليوم أن تستهدف الدوائر المتربصة والخلايا الكامنة استقرار البلاد وتتكالب عليها قصد تثبيط همتها والنيل من عزيمة أبنائها. فما نلاحظه من مناورات سياسوية مع اقتراب كل محطة حاسمة (يقصد الرئاسيات) من مسيرة الشعب الجزائري، إلا دليلا واضحا يفضح هذه النوايا المبيتة التي سرعان ما تختفي بعد أن يخيب الشعب الأبي سعيها”. وقال بوتفليقة إن “البعض يختزل رهانات الحاضر والمستقبل في تغير وتعاقب الوجوه والأشخاص، وهم يروجون لهذا التوجه لحاجة في نفس يعقوب، لكن أنتم من تعملون في الميدان (يقصد مسؤولي الجماعات المحلية) وتغالبون التحديات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية يوميا، أكثر الناس دراية بأن الرهان يتجاوز ذلك بكثير”. وبالنسبة لبوتفليقة؛ فإن “المسألة تتعلق بصون وحماية الإنجازات التي حققها الشعب خلال العقدين المنصرمين، وحفظها وتثمينها خدمة له، والارتقاء إلى مستوى أعلى من العمل التنموي والسياسي. وإن المغامرين، الذين يسوّقون لثقافة النسيان والنكران والجحود، لا يمكن أن يكونوا أبدا سواعد بناء وتشييد، فهم يخفون وراء ظهورهم معاول الهدم التي يسعون لاستخدامها من أجل الزج بالبلاد نحو المجهول”. ويفهم من هذا المقطع أن جهة معنية من النظام تقف ضد استمرار بوتفليقة، حسب رسالته، في الحكم. وتابع الرئيس في الجزئية نفسها: “إن ما قمنا به لحد الآن ليس سوى مرحلة تليها مراحل من مسار طويل، فما زال أمامنا الكثير من التحديات، ولا يمكن، بعد ما تم من عمل أن نعود إلى الوراء ونأخذ بطروحات مثبطة انهزامية لا غاية منها سوى تعطيل مسيرتنا”، مضيفا: “إن العقدين المنصرمين من حياة أمتنا لم يكونا هينين، ولقد كان للعديد منكم شرف مرافقتي في هذه المسيرة في مختلف مستويات المسؤولية وأبليتم البلاء الحسن وقمتم بتضحيات وانجازات عظام”. وواضح جدا أن بوتفليقة من خلال هذا المقطع، قرر الرشح لعهدة خامسة وهنالك أطراف تقف ضد رغبته. وأشار بوتفليقة: “لقد سعينا بصدق وإخلاص إلى إخراج أبناء هذه الأمة من فتنة التناحر وكابوس الهمجية الذي استحكم فيها، مستلهمين عزمنا من قيم نوفمبر الخالدة وشيم التسامح والأخوة والوئام، وعملنا على العودة بالبلاد من جديد إلى جادة التنمية، بإعادة بناء ما أمعنت في تهديمه قوى الشر والدمار، وتحقيق إنجازات عمومية كبرى في مدة لا مكان فيها للتواني.. مدة شققنا فيها الطرق وربطنا القرى والمداشر والمدن بمختلف الشبكات، وشيدنا أقطابا صناعية ومدنا جديدة ومرافق عمومية شاهدة على جهود هذا الشعب وقدرته على تجاوز أعتى الأزمات والمحن”. وكان يقصد بوتفليقة طرفا معينا وهو يخطب في الولاة والحكومة، أمس، عن طريق أمين عام الرئاسة، لكن المقصود غير معلوم، موضحا: “بينما تعملون أنتم جاهدين من أجل تحويل الاستراتيجيات المرسومة إلى واقع معيش، نلاحظ تفاقما لبعض الآفات التي تستشري في جسم المجتمع، وتتحوّل إلى طفيليات معوقة لكم ولأعمالكم خدمة لمقاصد خبيثة، تسخر في ذلك، وبلا تورع، كل مهاراتها في التعاطي لممارسات غير مطابقة مذمومة ومرفوضة قانونيا وأخلاقيا، من مثل الرشوة والمحسوبية والمعاناة والتصرفات البيروقراطية الجائرة التي يراد بها الباطل. وذكر بوتفليقة للولاة والمسؤولين المحليين: “إنكم تلاقون باستمرار محاولات هذه العناصر الضالة في يومياتكم، التي لا تترك أي سانحة في برامج عملكم إلا وتحاول استغلالها لتحقيق مآربها الآثمة، في مختلف قطاعات النشاط..”. وأفاد بوتفليقة بأن “المساس باستقرار مؤسسات الدولة هو مساس بالدستور وبركن من أركان هذا البيت الحصين الذي يجمعنا ويؤمننا من كيد الكائدين، لذلك فمن واجب الجميع الالتفاف حول مؤسسات الجمهورية والذود عنها ومواجهة كل محاولة لاستغلالها من أجل قضاء مآرب آثمة أو النيل من استقرارها”. وأضاف: “إن الدولة بجانبكم تشد على أيديكم ولن تدخر أي جهد من أجل مواصلة دعمها للمسار التنموي الوطني وتعميقه، غير عابئة بالحواجز والعقبات. الجزائر قادرة بأبنائها وبمواردها وبعزيمتها على تجاوز روح الانهزامية ومنطق التشكيك والتيئيس وتثبيط الهمم، وليس هناك ما يثنيها عن المضي قدما؛ لأن ما يثبط عزيمة مواطنينا ليس التحديات التي يواجهونها، ولا الرهانات التي يخوضونها، بل هي تلك المناورات الدنيئة والدسائس التي يتخذ منها البعض موقف المتفرج المترصد أو المتواطئ، على الرغم من أنها تستهدف شعبنا وبلادنا”.