يعتقد المحامي والحقوقي عبد الغني بادي، أن السلطة مترددة في الإفراج عن بعض الشخصيات والنشطاء، "مخافة إعادة بعث نفس جديد في الحراك الشعبي ومسعى التحول السياسي، لما يملكه هؤلاء من قوة شعبية تفوق ما تحوزه كثير من الأحزاب والتنظيمات التي تعتقد أن لها تمثيل". ما هي طبيعة التهم الموجهة لنشطاء الحراك الباقين في السجن؟ قضايا معتقلي الرأي الذين ما زالوا يقبعون في السجون، متقاربة من ناحية طبيعة التهم والوقائع، فهي أفعال ذات طبيعة تعبيرية عن موقف ورأي سياسي، سواء على منصات التواصل الاجتماعي بالكتابة والنشر أو على وسائل الإعلام مثل المساهمات الإعلامية، وفي حالات يتابعون على يافطات يحملونها ولافتات، فيتابعون بناء على تقارير أمنية (بوليس سياسي) وتكيف لهم تهم المساس بالوحدة الوطنية وعرض منشورات من شأنها الإضرار بالمصلحة الوطنية وإضعاف معنويات الجيش.. بالنسبة لسمير بلعربي أو فضيل بومالة وعبد الوهاب فرصاوي وأغلبية الذين ما زالوا مسجونين أو حتى من أفرج عنهم مؤقتا، كلهم تمت متابعتهم بتهمة المساس بالوحدة الوطنية وفق المادة 79 من قانون العقوبات والمادة 96 المتعلقة بعرض منشورات.. المؤكد أن الجميع سجن بمنشورات أو تصريحات..لا أكثر.. فالوقائع نفسها وتتعلق بالاختلاف مع تصور السلطة ومخالفتها الرأي.
هل ترى أن هناك تردد في الإفراج عن سجناء بعينهم في رأيك؟ يوم الثاني جانفي ومن دون سابق إخطار قضائي وفق النصوص القانونية الإجرائية، تفاجأنا صباحا بإفراجات تلقائية وتأجيل محاكمات لا نعرف حتى متى تمت جدولتها مع الإفراج عن المعنيين بها. إجراءات أعطت انطباعا أن قرارا سياسيا صدر من جهات عليا تم توجيهه للقضاء.. رغم أن العمل بهذا الشكل لا يخدم القضاء، غير أن حريات الناس والوضع الذي نعيشه لقي استحسانا وانطباعا بأن السلطة تتجه نحو التهدئة، وربما قد تتجه للبحث عن حلول جدية، مثل هذا خطر على بال البعض.. لكن الصدمة كانت كبيرة والناس والنشطاء وأسر رموز الحراك مثل كريم طابو وفضيل بومالة وسمير بلعربي ينتظرون لساعات متأخرة أمام سجن الحراش والقليعة، لكن ثبت أن هؤلاء السجناء غير معنيين بالإفراج !!! الواضح أن الشخصيات المذكورة لها تأثير على الحراك من حيث الديناميكية والتنظير السياسي ونشر الوعي والحضور الشعبي الواسع، لذلك السلطة ترددت في الإفراج عنهم، قد يكون هناك مصادر قرار مختلفة، إذ ما زالت جهة تتخوف ربما من إعادة بعث نفس جديد في الحراك ومسعى التحول السياسي لما يملكه هؤلاء من قوة شعبية تفوق ما تحوزه كثير من الأحزاب والتنظيمات التي تعتقد أن لها تمثيل. الآن السلطة توجد في مأزق في هذه الملفات، لأن بقاءهم في السجن يعني بالنسبة لها تسديد فاتورة حقوقية مزعجة وهي تبحث عن خلاص وتحاول فقط إيجاد الإخراج السياسي لها.
هل تعتقد أن السلطة تراجعت خطوة للوراء في قضية إطلاق سراح السجناء؟ الإبقاء على بعض السجناء رهن الحبس لا يصب في مصلحة السلطة، بل يعطي انطباعا أنها سيئة النوايا، وأن الطريقة الأمنية التي تتعامل بها مع الحراك ونشطائه لن يزيد إلا تضييقا عليها.. السلطة لا تعرف كيف تجد حلا حقيقيا لا للأزمة الحقوقية ولا للأزمة السياسية.. وسجناء من وزن طابو بومالة وبلعربي، يزعجون النظام خارج أسوار السجن وداخله.. أعتقد أن النظام يبحث عن طريقة للتخلص من الملفات مع ضمان عدم تأثير هؤلاء على إعطاء نفس آخر للحراك، لذلك هم يراهنون على ربح مزيد من الوقت في سجن هؤلاء، مع أن الظاهر أن الملفات تزعجهم..
هل أفهم من كلامك أن هناك حسابات سياسية متداخلة قد تعطّل عمل القضاء فيما يخص قضية السجناء؟ لا شك أن هناك تساؤلات حول القرار السياسي وبعض القرارات القضائية الحساسة ذات الطابع الأمني أو المرتبطة بالمرحلة على تنوعها، لكن من الواضح جدا أن هناك دوائر أمنية تتحكم في الوضع في هذه الفترة، وأن الأمور ليست بيد الرجل الأول في البلاد دستوريا ولا في يد سلطات القضاء.. تذكر جيدا كيف تم إطلاق سراح كريم طابو من مجلس قضاء تيبازة بقرار يضعه تحت الرقابة القضائية، لكن الأمن الداخلي أعاد توقيفه بعد ثماني ساعات تقريبا، لا يمكن لعاقل أن يصدّق أن قرار إيداعه الثاني كان قرارا صادر عن القضاء ! هو قرار البوليس السياسي للأسف.. مثل هذه الممارسات لم تحدث حتى زمن بوتفليقة، هي ممارسات من ستينات وسبعينات القرن الماضي ويجب أن تنتهي، لا يمكن أن نخطو خطوة واحدة والدوائر الأمنية لا زالت تسيطر على القرارات المرتبطة بحريات الناس بدلا من القضاء.. الحرية أمر مقدس لا يجب أن يبقى رهينة قرارات أمنية لا تخدم أي تحول مرتجى.