لا يمكن أن نحقق البر في الحج إلا بتحري الإخلاص وحسن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله وأن نسعى لتحقيق معنى كلمة (لبيك اللهم لبيك) التي رددناها ورفعنا بها أصواتنا. وتحقيق هذه الكلمة يكون أولا بفهم معناها، فهذه الكلمة يقولها الإنسان إذا دعاه من يحب ويعظم، فهي كلمة استجابة لمن تحب ومن ترغب وترهب وتعظم إذا دعاك أو ناداك، فتسارع بالإجابة قائلا لبيك أما إذا دعاك من لا تحب، ومن ليس له في قلبك مكانة فإنك تتثاقل عن إجابة دعائه وربما تمتنع من إجابته. وفي رحلة الحج دعانا من له في قلوبنا كل الحب والرغبة والرهبة، دعانا ذو الجلال والإكرام، فسارعنا ولبينا، لأنه سبحانه أحب إلينا مما سواه، وهذا من علامة الإيمان كما في الحديث (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار). [متفق عليه]. جزاء المستجيبين إن من جزاء المستجيبين أن يكفيهم الله ما أهمهم وأن يدفع عنهم من السوء ما يخافون وما يحذرون. {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران:172-174]. وإن من أعظم جزاء المستجيبين الهدايةَ إلى الجنة {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [الرعد:18]. إن أعظم ما في الحج أن يعتاد المسلم الاستجابة لله وللرسول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال:24]. ونماذج الاستجابة في الحج كثيرة، فهذا مولانا تبارك وتعالى دعانا لترك الأوطان، والأهل فاستجبنا، دعانا للطواف بالبيت فاستجبنا مع أن البيوت في الأرض كثيرة، ولكن تركنا كل البيوت قاصدين بيته، دعانا لاستلام الحجر وتقبيله أو الإشارة إليه فاستجبنا مع علمنا أنه حجر لا يضر ولا ينفع، ولكن لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلمه وقبله، وأشار إليه فعلنا اقتداءً به صلى الله عليه وسلم ، دعانا للخروج إلى منى والمبيت بها يوم التروية، فتركنا البيت وتوجهنا إلى منى ملبين مستجيبين. دعانا للوقوف بعرفة فلبينا، دعانا للمبيت بمزدلفة فلبينا دعانا لرمي الجمار والمبيت بمنى فلبينا، ثم دعانا للطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة فلبينا واستجبنا، إن معظم هذه الأعمال لا يستشعر الحاج فيها معنى خاصًا سوى الاستجابة والتلبية لأمر الله عز وجل والاستسلام لحكمه. فهل نحن في سائر أعمالنا ملبون مستجيبون؟ دعانا لتجريد التوحيد ونبذ الشرك فهل نحن ملبون؟ دعانا للحفاظ على الصلوات فهل نحن ملبون مستجيبون؟ دعانا لبر الوالدين وصلة الأرحام وحسن الجوار وحسن العشرة والمعاملة فهل نحن ملبون مستجيبون؟ دعانا لترك الحرام والفواحش ما ظهر منها وما بطن فهل نحن ملبون مستجيبون؟. إذا استجبت لله عز وجل في كل ما دعاك إليه فقد حققت بر الحج ورجعت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك. التمس أسباب المغفرة بعد الحج إن الحج المبرور من أعظم أسباب مغفرة الذنوب (فمن حج فلم يفسق ولم يرفث رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه). ولكن التوحيد وترك الشرك أعظم {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [المائدة:9]. {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]. ومن لقى الله عز وجل بقراب الأرض خطايا، ولم يشرك به شيئًا لقيه الله عز وجل بقرابها مغفرة. والاستغفار من أعظم أسباب المغفرة. فاحرص على الاستغفار فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر من التوبة والاستغفار ويقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور. مائة مرة. قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران:135-136]. واعلم أخي المسلم أن الأعمال التي توجب المغفرة أكثر من أن تحصر، فالوضوء، والذكر بعد الوضوء، والإنفاق في سبيل الله في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والصبر، وصلاة ركعتين عقب الوضوء، والأذان للصلاة، وإجابة المؤذن، والمشي إلى المساجد والجماعات، وانتظار الصلوات، والصلوات الخمس، والجمعات، والتأمين في الصلوات، وقيام الليل، والذكر بعد الصلاة كل هذا مما تغفر به الذنوب والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى. وقد سبق أن كتبنا في ذلك بعنوان أسباب المغفرة، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعلنا من أهلها. إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.