التوقيع والتصديق الإلكترونيين وحماية المعطيات الشخصية    المجلس الشعبي الوطني يدين بشدة زيارة رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي إلى المناطق المحتلة في الصحراء الغربية    الجزائر تعرب عن استغرابها إزاء التدابير تعيق اتنقلهم إلى الأراضي الفرنسية    مجلس الأمة يعلن عن التعليق علاقاته مع شيوخ فرنسا    سيتم إنجاز 5 أو 6 مشاريع جديدة لتحلية مياه البحر سنة 2026    مجلس الأمة يشارك في الدورة الاستثنائية للبرلمان العربي حول فلسطين    رئيس الجمهورية يعزي في وفاة محمد عبد اللطيف بلقايد شيخ الزاوية البلقايدية الهبرية العريقة    عوار جديد في ليون.. هذا هو خالص مراح    بعد تعرضه لإصابة مع فريقه الترجي التونسي.. من يعوض أمين توغاي في المنتخب الوطني شهر مارس؟    القانون المتعلق بتسيير النفايات ومراقبتها وإزالتها يصدر في الجريدة الرسمية    ندوة علمية بتلمسان.. إبراز دور اللغة الأم في تعليم الكبار    هيرتا برلين يعطل انتقال إبراهيم مازا إلى عمالقة أوروبا    استشهاد أسير فلسطيني من غزة بسجون الاحتلال..حماس: لم نتلق أي مقترح بشأن المرحلة الثانية من اتفاق غزة    ربيقة يجري عدة لقاءات مع وزراء ومسؤولين في جمهورية نيكارغوا    أفرد ملفا خاصا بالجلسات الوطنية للسينما.. تقديم العدد الأول لمجلة "سينماتيك"    وهران: الفنانة التشكيلية عادلة حمادي تعرض باكورة أعمالها    شيخ الطريقة البلقائدية الهبرية محمد عبد اللطيف بلقايد في ذمة الله    إدارة اتحاد الجزائر تشكر الحكومة الجزائرية التي سخرت كل امكانياتها لمساعدة الفريق على الدفاع عن قضيته العادلة    الحفاظ على سلالة الأغنام يستدعي جهودا علمية وخبرات ميدانية    زعلاني يبرز الأشواط الكبيرة التي حققتها الجزائر في مجال تعزيز وحماية حقوق الإنسان    الجزائر – وهران : إطلاق رحلة قطار ليلية جديدة خلال شهر رمضان    المنيعة..مشاريع تنموية جديدة لفائدة بلديتي المنيعة وحاسي القارة    وزير الصحة يؤكد على ضرورة تعزيز العمل خلال شهر رمضان الكريم    رئيس الجمهورية : ما تم إنجازه لتوفير المياه للجزائريين سيخلده التاريخ    بورصة الجزائر: ارتفاع قيمة التداول ب 5ر4 % في السداسي الثاني من 2024    الجزائر-النيجر: آفاق واعدة لمستقبل التعاون الثنائي    جهّز جسمك لاستقبال رمضان    رمضان: جمعية التجار والحرفيين تدعو إلى تفادي المضاربة وتبرز وفرة المنتجات    عرقاب يستقبل وفدا من شركة سينوبك الصينية    مجمع "جيتكس" يطلق تشكيلته الجديدة لملابس الأطفال بأسعار تنافسية    هل يحطم مبابي أسطورة رونالدو في الريال؟    صادي رئيساً للفاف حتّى 2029    عرض نتائج دراسة حول التحول الرقمي    تتويج الفائرين في الطبعة الرابعة للمسابقة الوطنية للصحافة البيئية    كيف تفوز الأسرة برمضان؟    برمجة تسليم خمس مناطق نشاط مُصغّرة قبل نهاية 2025    شركة قطر فارما تبدي اهتمامها بالاستثمار في الجزائر    الجيش الوطني الشعبي: القضاء على إرهابي وآخر يسلم نفسه خلال أسبوع    تنظيم انتخابات أعضاء برلمان الطفل الجزائري 2025-2027    كرة القدم/ تصفيات كأس إفريقيا للأمم 2026 للسيدات (الدور التصفوي الأول-إياب): الجزائر تفوز على جنوب السودان (3-0) وتبلغ الدور الثاني والأخير    الأمم المتحدة: الوضع في غزة كارثي ويستدعي استجابة إنسانية عاجلة    ابنة صلاح.. ممثّلة!    إنفانتينو يُهنّئ صادي    اجتماعية الدولة مبدأ مقدّس    فرنسا مطالبة بتحمّل مخلّفات تجاربها النووية بالجزائر    تحرير ضحيتين كانتا محتجزتين داخل منزل بعلي منجلي    سوريا ترحب بقرار الاتحاد الأوروبي    استقرار في أسعار اللحوم البيضاء في رمضان    وزارة الشؤون الدينية والأوقاف تنشر إمساكية رمضان    اللجنة المشتركة لمتابعة إنجاز طريق تندوف - الزويرات    دراسة 19 تعديلا على مشروع قانون محكمة التنازع    حج 2025: آخر أجل لدفع التكلفة هو يوم الجمعة المقبل على الساعة الثامنة مساء    "مفدي زكريا" يستضيف فن التصميم الإيطالي    سايحي يستقبل وفدا عن النقابة الوطنية المستقلة للقابلات الجزائريات للصحة العمومية    الشوق لرمضان    سايحي يتوقع تقليص حالات العلاج بالخارج    هكذا تدرّب نفسك على الصبر وكظم الغيظ وكف الأذى    الاجتهاد في شعبان.. سبيل الفوز في رمضان    









دروس للعلماء من قصة طالوت..1
نشر في أخبار اليوم يوم 31 - 01 - 2014


أ. أنور قاسم الخضري
تمثل قصص القرآن الكريم تجارب سابقة، تختصر على الأمة المسلمة المسيرة بتقديم الخبرة البشرية في أسمى تجلياتها، حيث أن الذي يعرض هذه القصص المحيط بعلمه لكل أبعادها وتفاصيلها الظاهرة والباطنة، ولكل المؤثرات التي عملت فيها. وهذه القصص لا تقتصر على الفرد بل على الجماعة، وليس على جوانب الإيمان، بل وجوانب الحياة التي لا تخلو من تأثير الإيمان عليها. وهي تُقدَّم للجميع حكاماً ومحكومين، علماء وعامة، حيث يمثل القرآن الكريم خطاباً إلهيًّا للجميع.
وإذا كان للنفس الإنسانية انحرافاتها في حال جهلها وجحودها، فإن لها أيضاً انحرافاتها في حال علمها وإيمانها، لذلك نجد أن العبرة والعظة لا تقتصر على مخاطبة العصاة والمتجبرين والفسقة والظلمة، بل تتجاوزهم إلى المتقين والمصلحين، لأن القرآن موعظة الله الخالدة للجميع، حتى لأولئك الذين ورثوا العلم والإيمان، فليس أحد فوق خطاب الله وتوجيهه.
من هذا المنطلق نعرض لبعض الفوائد التي يمكن استنباطها من قصة بني إسرائيل التي حكتها سورة البقرة في معرض الحديث عن نشوء مملكة بني إسرائيل، تلك المملكة التي مثلت عصراً ذهبيًّا لهم عبر التاريخ. حيث أن هذه القصة تبدأ بتشخيص الواقع الذي انطلق معه مشروع التغيير، والخطوات والمراحل التي بلغت ببني إسرائيل النصر.
وهذا الواقع الذي تتحدث عنه السورة متشابه في كثير من جوانبه مع واقع المسلمين اليوم، لذا فإن علينا أن نتلقى هذه القصة -وغيرها من قصص القرآن- بوعي وحضور ذهني يربط بين عِبَر الماضي وحقائق الواقع، لنستلهم من القرآن الكريم معالم الطريق.
ظروف الانطلاق
تحدثنا سورة البقرة عن الظروف التي عاشها بنو إسرائيل في تلك الحقبة التي سبقت مشروع التغيير لديهم، على لسان بني إسرائيل بكونهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، ما يعني أنهم تعرضوا لغزو خارجي أتى على أرضهم فاحتل ديارهم، واستولى على أملاكهم، وهجرهم أو اضطرهم إلى الهجرة فراراً طلباً للأمن أو النجاة، {قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} (البقرة:246).
ولم يقتصر هذا الواقع على هذه الحالة التي كانوا عليها، بل كانوا -فيما يبدو- في حالة من الخلاف والتشرذم، كما هي عادتهم، ما جعلهم لا يخضعون لسلطان واحد حتى مع وجود نبي بين أظهرهم. ومن المعلوم أن النصر على الأعداء يتطلب توحيد الصفوف واجتماع الكلمة على قيادة واحدة، لذا توجه الملأ منهم، والتعبير بالملأ دليل على غياب قيادة موحدة لهم، إلى نبيهم بهذا الخطاب: {ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} (البقرة:246).
ومن العجيب الذي يُخلِّدُه الله تعالى لهذا النبي الكريم أنه على الرغم من مكانته الدينية، وكونه نبيًّا مصطفى من الله، إلا أنه لم يتطلع لأمر الحكم والقيادة السياسية، وهو الذي خبر واقع بني إسرائيل من معايشته لهم! وهذا ليس عيباً ولا نقصاً فيه، (فكُلٌّ مُيسرٌ لما خُلِقَ له) متفق عليه، بل توجه إلى الله تعالى بالدعاء لاختيار قيادة سياسية تقوم بهذا الدور. وهنا يمكننا أن نقف وقفة تربوية مع العلماء، العلماء المشتغلين بميراث النبوة الفقهي والعقدي، حيث أن حمل هذا الميراث ليس شرطاً كافياً للقيام بكل المهام والمسؤوليات العامة للأمة، بل ربما يتوفر في المرء من الدين والتقوى والعلم والأمانة الشيء الكثير لكنه لا يصلح لقيادة الناس وإدارة شؤونهم العامة.
ولذلك يُسجِّلُ لنا القرآن الكريم هذا الموقف النبوي من طلب بني إسرائيل برضى نفسي، قلَّمَا تخلو منه النفوس المتطلعة للزعامة، {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا} (البقرة:247). وهكذا يؤدب الله تعالى أنبياءه بأن الملك شأن دون مكانتهم الرسالية، وأنه دور قد يصلحون له وقد لا يصلحون، وهذا لا ينقص من قدرهم شيئاً! وكما أن الله تعالى اصطفاهم للنبوة أو الرسالة، فإنه يصطفي للملك من يشاء، فهو سبحانه يختار لعباده الأصلح لحالهم والأنفع لآخرتهم.
ومن العجيب أن بني إسرائيل الذين بُلِّغُوا بخبر الله هذا تطاولوا في تطلعهم إلى مقام لم يتطلع له نبيهم الذي هو أشرفهم منزلة، وتجرؤوا أن يقولوا: {أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال} (البقرة:247).
وبعد هذا الاعتراض يقدم إليهم نبيهم علة الاختيار الإلهي (الحكيم)، ليضفي على مكانة المُلك شروطاً أخرى غير التقوى (في مقياس العلماء)، والمال في مقياس العامة، ف {قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم} (البقرة:247).
والعلم المقصود هنا علمٌ آخر بالطبع. فهو علم الحكم والسلطة، علم بالجانب السياسي، وقيادة الأمة، وإدارة مواردها، وتوجيه الصراع مع أعدائها، وكل علم يخدم رسالة هذه المكانة. وليس علماً فحسب بل بسطة في هذا العلم. وأما بسطة الجسم فهي تقابل عظم المهمة وضخامة الهم، بحيث لا تسعف هذه البسطة القيادة المتصدرة للصراع بالكفاءة النفسية، فإن للجسم أثره على الأداء العقلي والنفسي دون شك.
إننا لا نلغي دور الإيمان والتقوى والأخلاق في شخصية طالوت، لكنها لم تكن الفيصل في الاختيار، إنما الفيصل في الشروط الإضافية المناسبة للمهمة والدور.
لقد توفر في تلك المرحلة من تاريخ بني إسرائيل الخطر المشترك الذي دفع بهم، وهم الذين غلب عليهم الشقاق والافتراق وسفك بعضهم دماء بعض واضطهاد بعضهم بعضاً، وتضليل بعضهم لبعض، ليوحدوا صفهم في قيادة واحدة تمثل إرادتهم. وحالة الخطر الخارجي غالباً ما تدفع الشعوب لنسيان خلافاتها الداخلية، وتجاوز ثاراتها لصالح بقائها ونجاتها، وهذا لا يكون إلا إذا كانت الأمة في حالة من الوعي الذي يمكنها من تقدير الموقف تقديراً صحيحاً، ومن السمو فوق مصالحها وهموما الفئوية والخاصة.
هذا هو الظرف الذي انطلقت منه إرادة التغيير، إنه ظرف يجمع بين التخلف الداخلي والتهديد الخارجي، بين واقع الماضي البئيس وأماني المستقبل المأمول. ظرف توفرت فيه إرادة التغيير لدى الأمة، والمرجعية الشرعية التي تضبط إيقاع الأمة الحركي، وقيادة سياسية تتحد وراءها الأمة وتحمل تطلعاتها برنامجاً عمليًّا للتطبيق والعمل.
.../ ... يتبع


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.