ننهي، اليوم، سلسلة المقالات حول ليبيا بالتعرض للقوى الخارجية المتربصة بهذا البلد وكذا المعارضة الموجودة بالخارج وبقايا نظام القذافي. القوى الخارجية، وهي قوى سيكون لها شأنها الخاص ودورها المؤثر في تحديد مستقبل ليبيا. على رأس هذه القوى نجد الدول التي دعمت التدخل العسكري للناتو وهي قوى عظمى متعودة على التدخل فقط لحماية مصالحها. من الغباوة السياسية والجهل بآليات الحكم في هذه الدول، القول بأنها تتدخل لتشجيع المنحى الديمقراطي أو تدعيم قوى الحداثة والتطور في العالم العربي أو بلدان العالم الثالث، فالديمقراطية، كما يقول رئيس تحرير جريدة لوموند ديبلوماتيك، (إنياسيو راموني) لا تنجز بالقنابل الأجنبية. المعروف أن أي تطور نحو الأفضل في تسيير الشأن العام، في دول العالم الثالث، لا يخدم إطلاقا مصالح القوى العظمى. لقد فتح قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973، الصادر في مارس 2011 والقاضي بحماية المدنيين بجميع الوسائل الممكنة، فتح الطريق أمام الدول الكبرى المشاركة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) للتدخل العسكري في ليبيا. كلنا نتذكر الظروف التي صدر فيها قرار مجلس الأمن والذي جاء على إثر التهديدات الصريحة التي أطلقها سيف الإسلام القذافي والتي أكد فيها بأن نظام والده سيحارب المنتفضين سلميا على سلطته "حتى آخر طلقة"، كما نتذكر الخطاب المشهور للقذافي الذي أكد فيه بأنه سيلاحق الثوار بيت بيت وزنقة زنقة. من جهة أخرى لا ندري إن سبق أن حدث في التاريخ أن هدد حاكم ما شعبه بالفناء فقط لأن هذا الشعب تظاهر مطالبا بالحرية. حاكم ليبيا السابق، تسبب إذن في فتح المجال أمام التدخل العسكري الغربي في بلده، والمعروف عن الغربيين إنهم لا يدخلون بلدا إلا ويجعلون أسياده أذلة ويجففون منابع خيراته ويحولونه إلى مجرد بيدق في إستراتيجيتهم الهادفة إلى ضمان وحماية مصالحهم فقط دون أي اهتمام بمصالح سكان البلد الذي انفتح أمام قواتهم ومؤسساتهم العسكرية والاقتصادية. قوى خارجية عديدة، ستكون من الآن فصاعدا معنية بالشأن الليبي وبكل ما يجري داخل هذا البلد. من على رأس القوى الكبرى نجد الدول التالية: - فرنسا، وهي بلد عضو في الحلف الأطلسي، دعمت انتفاضة الشعب الليبي بحماس نادر، وكانت أول بلد يعترف بالمجلس الانتقالي. لعل ما صرح به الرئيس (نيكولا ساركوزي)، خلال القمة الأوروبية ببروكسل (24 -25 مارس 2011)، معلقا على بدء ضربات الناتو لليبيا، هو خير معبر عن الاهتمام الكبير التي يوليه بلده لما يجري في المنطقة العربية، كما ينبئ بمنعطف جديد في السياسة الخارجية للدول الكبرى التي تسعى، من الآن، للتدخل العسكري المباشر في المنطقة. ساركوزي قال على وجه الخصوص: "إنها فترة تاريخية. ما يجري في ليبيا يخلق مرجعية قضائية (..) إنه منعطف كبير في السياسة الخارجية لفرنسا ولأوروبا وللعالم." إن قراءة بسيطة للنشاط الحثيث للرئيس الفرنسي، طوال أيام الأزمة الليبية، تبين أهمية الرهان الليبي بالنسبة لمصير الرجل ومستقبل فرنسا. ساركوزي، المقبل على انتخابات رئاسية يحتاج إلى نصر كبير يرفع من نسبة الفرنسيين الراضين عليه ويضمن له عهدة ثانية في الحكم. من جهتها، فرنسا تربح الكثير من تدخلها إلى جنب المنتفضين، خاصة فيما تعلق بإعادة أعمار ما خربه الحلف الأطلسي والذي يقدر بأكثر من مائة مليار دولار. وزير الخارجية الفرنسي، (آلان جوبي)، في تصريح للصحافة، أكد بأنه من المنطقي أن تستفيد الدول التي دعمت الثوار بأهم العقود. صحيفة ليبراسيون الفرنسية، من جهتها، نشرت رسالة تضمنت وعدا من الثوار بمنح فرنسا ما مقداره 35 بالمائة من بترول البلد مقابل الدعم العسكري، ورغم أن الحكومة الفرنسية نفت وجود مثل هذه الرسالة وكذبت أن يكون هناك أي اتفاق مع الثوار حول ثورات ليبيا إلا أن الكثير من المتابعين للشأن الليبي يرون في رسالة ليبيراسيون شيئا من الحقيقة. حلم الرئيس الفرنسي ساركوزي بإيجاد مناطق نفوذ جنوب المتوسط ليس حديثا ولا هو ناتج عن المستجدات التي تعيشها المنطقة العربية بل يراوده منذ عدة سنوات على الأقل، ففي خطابه الذي ألقاه في جانفيي 2007 بمدينة ستراسبورغ، تحدث عن "الحلم الغير محقق لشارلمان، والقديس أمبير، والصليبيين، والانفصام الكبير بين الشرق والغرب، والمجد الزائل للويس الرابع عشر ونابليون (..) فأوروبا هي اليوم القوة الوحيدة القادرة على حمل مشروع حضاري" بعد هذه الفقرة المذكرة بما سماه بأمجاد استعمارية زالت وبأن أوروبا هي وحدها من تحمل المشروع الحضاري في وقتنا الحالي، يضيف الرئيس الفرنسي، في نفس الخطاب، قائلا: "أريد أن أكون رئيسا لفرنسا التي تأخذ على نفسها مهمة السير بالمتوسط في طريق الوحدة بعد أثنى عشر قرن من التقسيم والتمزق (..) لقد باشرت كل من أمريكا والصين غزو إفريقيا. إلى متى تبقى أوروبا تنتظر لبناء إفريقيا الغد؟ بينما تتردد أوروبا يسير الآخرون" - الولاياتالمتحدةالأمريكية، التي تسعى منذ عدة سنوات لإيجاد موقع قدم لقيادتها العسكرية الناشئة (الأفريكوم) حيث يبدو أن ليبيا هي اليوم أكثر المواقع ملاءمة كمقر لهذه القيادة، فالبلد ينظر إلى الولاياتالمتحدة بكثير من التقدير بسبب موقفها إلى جانبه في محنتها ضد قوات القذافي، والسلطة الجديدة في حالة وهن وتفكك مما لا يسمح لها بمواجهة، أو حتى إدراك، أهداف الولاياتالمتحدة الظاهرة والخفية في ليبيا؛ كما أن موقع ليبيا، بالقرب من السودان ومصر (في حالة تغير النظام السياسي في البلد الثاني) وعلى مشارف منطقة الساحل الغنية هي أيضا بالبترول، إضافة لقلة عدد سكان ليبيا، كلها عناصر تجعل الولاياتالمتحدةالأمريكية تتمسك بكل قواها بهذا البلد. مع التذكير بأن الوجود العسكري الأمريكي في ليبيا ليس جديدا فقد كان لها قاعدة عسكرية بها من سنة 1943 إلى 1970. المتتبعون لموقف الولاياتالمتحدةالأمريكية من الانتفاضات في العالم العربي يلاحظون كيف أن هذا البلد تعامل مع الأوضاع بكثير من الحيطة والحذر، وذلك خوفا من بروز قوى وطنية تتمكن من إعادة تشكيل النظام السياسي العربي بما يخدم مصالح المواطنين العرب وهو ما يكون له تأثيراته الكبيرة على مصالح الولاياتالمتحدة بالمنطقة، وقد يهدد أمن وسلامة محميتها: إسرائيل. - بريطانيا، التي لها نفس الأهداف الفرنسية. - حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي يتطلع للعب دور كبير في ليبيا خاصة وأن البلد يفتقد لكل شيء: من وحدات الشرطة إلى بناء جيش عصري. لا شك أن الحلف سيضغط بكل وسائله لتكون له كلمته في عملية بناء الأجهزة الأمنية والعسكرية الليبية بما يمكنه من الاستفادة ماليا وتموقعا. - إسرائيل، رغم أن مواقف القذافي تجاهها لم تكن تتجاوز مستوى الخطب العدائية، كما أن نظامه أضر كثيرا بالقضية الفلسطينية من خلال محاولة شراء ذمم البعض وضرب تنظيمات فلسطينية بأخرى ومحاولة فرض تبنيهم للكتاب الأخضر مقابل الدعم المادي، كما أغتال الشيخ موسى الصدر الزعيم الشيعي اللبناني، إلا أنه لم يتجرأ على إقامة علاقات دبلوماسية مع هذا الكيان الذي يطمح للاستفادة من التغيرات الحادثة على بنيات الأنظمة السياسية في العالم العربي ليحاول التغلغل في بلدانه. تقسيم السودان أدى إلى وجود دولة بالجنوب سارعت إلى الاعتراف بالدولة العبرية وسمحت لها بفتح سفارة بها. بالنسبة لليبيا، لا شك أن إسرائيل ستستفيد من الضغط الذي سيمارسه أصدقاء النظام الجديد خاصة الفرنسيين والأمريكيين لجعل ليبيا "تطبع" علاقاتها معها. القوى الأخرى، وهي عديدة وستحاول الاستفادة من الأوضاع الحالية للاستيلاء على المسؤوليات وعلى ثروات البلد. من بين هذه القوى يمكن ذكر: - المعارضة الموجودة بالخارج، تتمركز خاصة في الولاياتالمتحدةالأمريكية وبريطانيا وتضم أكثر من 25 حركة سياسية ممثلة لثلاثة اتجاهات رئيسية هي الليبرالية والاسلاموية وبقايا النظام الملكي. من أهم هذه الحركات نذكر: الحركة الوطنية الديمقراطية الليبية، والجبهة الوطنية من أجل إنقاذ ليبيا، حركة الكفاح الوطني الليبي، والاتحاد الدستوري ذو الاتجاه الملكي.. - بقايا النظام السابق، خاصة من عناصر اللجان الشعبية، فهؤلاء كانوا المنفذين لإرادة ورغبات حاكم ليبيا السابق ولهم مصالح كثيرة وكبيرة وليس من السهل أن يبتعدوا عن الحكم تاركين الأمر لوجوه جديدة وإطارات كانت مبعدة في السابق لتتولى تسيير شؤون البلد. ليبيا اليوم هي أمام حالتين: إما أن تتجنب الانتقام وتنسى الأحقاد والضغائن وان يتفتح النظام على كل أبناء البلد ليشاركوا في عملية بناء دولة جديدة. في هذه الحالة فان بقايا النظام القديم، المتعودين على الكواليس والتآمر السياسي، سيتلونون بألوان المرحلة الجديدة ويندسون في المؤسسات الناشئة ليصبحوا قوة معرقلة لمحاولة بناء دولة عصرية تسير أمورها بشفافية. الحالة الثانية، هي أن يسعى النظام الجديد لاجتثاث اللجان الشعبية بغلق سبل النضال السياسي أو تولي المسؤوليات أمام كل العناصر التي كان لها دور، مهما صغر، في دواليب النظام السابق. في هذه الحالة، سيكون الأمر شبيها بعملية اجتثاث البعث التي نفذها النظام العراقي بعد الاحتلال. عملية الاجتثاث، على ما فيها من إبعاد العناصر الملوثة بفساد النظام السابق، فهي تحتوي على أخطار عديدة لأنها ستدفع بالآلاف من الليبيين لمعاداة النظام جهرا أو سرا، مما سيطيل مرحلة عدم الاستقرار التي تعرفها ليبيا.