مازالت مصر حابسة أنفاسها، أسبوعا بعد الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، ومازال ميدان التحرير على موعد مع الفوضى والاحتجاج، احتجاج يهدد هذه المرة بتفجير الوضع وبإغراق مصر في عنف قد يكون أخطر من العنف الذي غرقت فيه الجزائر في العشريتين الماضيتين. المرشح أحمد شفيق قال أمس إنه متأكد من فوزه بالانتخابات الرئاسية، في رد على الحملة التي قادها الإخوان فور الانتهاء من العملية الانتخابية، بأن مرشحهم محمد مرسي هو الفائز، وأنه في حال إعلان اللجنة المشرفة على الانتخابات فوز شفيق فهذا يعني أن هناك انقلابا ناعما حدث ضد ما أسموه "إرادة الشعب". لم يسكت الإخوان طبعا بعد تصريحات شفيق وراحوا يصعدون من احتجاجاتهم وإصدار التصريحات تلو التصريحات، فنائب مرشد الاخوان قال إن استقرار مصر على المحك ما لم تسترجع صلاحيات البرلمان ويلغى الإعلان الدستوري المكمل، والهلياوي قال إنه لا يستبعد أعمال عنف ومواجهات بين الإخوان والعسكر، فكل شيء ينذر بالانفجار، انفجار إن حدث لن يحرق مصر وحدها، بل ستصل شرارته إلى كل البلدان العربية وإسرائيل، خاصة وأن هناك حديثا عن استدعاء الجيش الثالث المرابض على الحدود مع إسرائيل للدخول لتطويق الوضع بالداخل، والاستعداد للمواجهات التي سيقودها الإخوان على المؤسسات الحكومية في مصر. ومثلما حدث في الجزائر بداية التسعينيات، فقد بدأت أحداث تستهدف مقرات الأمن في كافة محافظات مصر. مصر اليوم أمام خيارات صعبة، ومارد الإخوان الذي عقد صفقات في بداية "الثورة" مع الجيش ضد الثوار الحقيقيين يلعب اليوم ورقته الأخيرة، إما السلطة كاملة وإما الحريق. فإن أعلن عن فوز شفيق وهو الاحتمال الوارد، فإن العنف سيكون مصير مصر، وإن أعلن عن فوز مرسي، فإن هكذا إعلان سيقرأ على أنه صفقة جديدة بين العسكر والإخوان، الأمر الذي سترفضه القوى السياسية الأخرى، لأن هناك من بدأ يتحدث عن صفقة جديدة بين الجيش والإخوان لتقاسم السلطة، وفي حال حدث هذا فإن مرسي الرئيس، سيكون رئيسا ضعيفا بلا صلاحيات ما سيفقد الإخوان الكثير من شعبيتهم التي تناقصت منذ الانتخابات البرلمانية، حسب الأرقام التي قدموها هم أنفسهم بالنسبة للرئاسيات الأخيرة، فمن 80 ٪ من المصوتين للإخوان، صارت نسبة الرئاسيات حسبه 52 ٪ لا غير. وإن صح هذا التوجه، تقاسم السلطة، فإن هذا الخيار يكون استفاد من تجربة الجزائر بإشراك الإخوان في الحكم ومن ثم تعريتهم وإضعافهم قبل القضاء نهائيا على مستقبلهم السياسي. لا أدري إلى أي حد سيرد العسكر على من يريد "المساس بالمصالح العامة للبلاد"، لكن اللهجة الحادة تنبئ بشلال دم وبرائحة الموت...