تجلس مع من يستعمل الفرنسية، ولو أنه لا يتقن إلا النزر اليسير منها، فلا أمثلة، ولا تشبيهات ولا مصادر أو مراجع، إلا من الفرنسية، حتى الوحدة النقدية للبلاد، لا تذكر إلا نادرا، فكل قيمة مالية، إنما هي بالفرنك، حتى إذا ما ذكرت أمام أحدهم الدولار، فسيصرفه أولا وقبل كل شيء بالفرنك، ثم يحدد موقفه. * إذا ما توجب، استعمال شاهد، فأفضل الكلام ما جاء في إحدى خطب الجنرال ديغول. (على فكرة، لا أحد هنا قرأ مذكرات الجنرال. وحتى خطب ديغول، ليس معروفا منها سوى بعض الجمل الشهيرة). * هذا النوع من المواطنين، يستغرب، أن تكون هناك في بلادنا صحف بالعربية، وحتى تلك التي بالفرنسية، والتي لا توزع الإدارة على إطاراتها مجانا غيرها، يقرؤونها، على أنها صفحات داخلية للصحف الفرنسية. * فأخبار الأدباء والكتاب والفنانين، وطرائفهم، وذكرى وفاتهم، تتعلق كلها بالفرنسيين، والفرنسيات. إيديت بياف، مولوجي، شارل أزنافور. مونتيسكيو، بودلير. روسو، سارتر، فرانسواز ساغان، ومن حين لآخر، يظهر اسم كاتب ياسين أو محمد ديب. * هناك إجماع عند مجموعة كبيرة من هؤلاء، بأن سبب فشل الجزائر الحديثة، هو الاستقلال. وما ترتب عنه، من تعليم وقضاء، وإصلاح زراعي. وهناك إجماع عام على أنه لا مخرج للجزائر، من هذه الورطة، حتى وإن عادت فرنسا. * لقد وقع المحذور، وركب الداب على مولاه. * سنظل هكذا: لا حالة صومالية، ولا حالة إيرانية. والسعيد، السعيد، مرضي الوالدين، هو من تمكن من جمع ما تيسر من المال، واتكل على الله، يستعيد الجنسية الفرنسية، ويفتح تجارة في إحدى مدن فرنسا. * أعمار هذه الفئة، تبدأ من الأربعين، وتصعد. ورغم اليقين في أن هذا الجيل، مآله الانقراض، وبالتالي، ستشفى منه البلاد، إلا أن المتفحص المدقق، في الأمر، يجد أن ما يصيب الأجيال الجديدة، من داء النفور من الوطن، من كل ما فيه، والتركيز، على ما يجري في الخارج، وهو، هذا الخارج، ليس سوى فرنسا. ناتج عن تذمر الكبار، وعدم رضاهم. * إنهم يقارنون كل شيء، ذهنيا، بمناسبة وبدونها بما هو "الهيه"، حتى أولئك الذين لا يعرفون أين يقع هذا الهيه. * هؤلاء القوم، لا يجدي معهم، لا توجيه، ولا خطاب، ولا محاضرة، ولا مسرحية، ولا تهديد. * هاجسهم، الراي وليس سوى الراي. ما أن تنطلق أغنية الراي، حتى يتحول الواحد منهم، إلى حمار، يسرح خياله حول أتون. * معلومة إضافية. * هذا الراي أحيته وروجته، مجموعة متنفذة في قيادة البلاد، وتبناه التجار اليهود في باريس، وهو لا يحتاج في التعامل معه، لا إلى عاطفة، ولا إلى أحاسيس معنوية. فقط يثير الشهوة الجنسية، بعد أن تتحرك وتهتز عضلات المستمع. * أما من يستعمل العربية، فهو على أنواع عديدة، تتداخل وتتشابك، ما أن يحدد المرء ملامح نوع، حتى يفلت منه، ويتمظهر بمظهر نوع آخر. يمكن البدء بالجيل الذي تجاوز أفراده الخمسين، ومعظمهم سيق إلى التعليم، يجتر نفس الدرس، وتقف الحداثة عنده، عند ابن المقفع، والحريري، وأحيانا المازني، وفي أحسن الأحيان، الشيخ البشير الإبراهيمي، بعضهم، ممن حصل على وثيقة جامعية، حوصر في العدالة، يتصارع مع الناس، ويحكم عليهم، مرة بالباطل، ومرة بالحق، وفي جميع الحالات لا يسلم من تهم الرشوة. وإذا ما كان محاميا، فيكتفي بعريضة يقدمها، بعد أن يتفق مع السيد القاضي، على نوع الحكم، مسبقا. مصادر تعليمهم، كتاتيب القرآن، والزوايا، وكان ممكنا، أن يتعمقوا في علوم الشريعة واللغة، سواء في تلكم الزوايا، أو في تونس أو المغرب، أو القاهرة، لكن اندلاع الثورة، والظروف الحرجة للحرب، أجبرت الكثيرين على التوقف، والالتحاق إما بالثورة، وإما بالمدن حيث أخفوا رؤوسهم، طلبا للنجاة، وحيث اكتسبوا مظاهر برجوازية مدينية، مسطحة، لا أرضية ثقافية أو حضارية لها، يمكن أن تنتقل إلى الأولاد والأحفاد، فجاء هؤلاء، أشبه ما يكونون، بدواب غير مروضة أو مدربة، لا يدري المرء ما يمكن أن يصدر عن أحدهم من شر أو حتى من خير. يكرهون الأشغال اليدوية، يكرهون الكتاب، لا يهمهم أن ينتعلوا حذاء أو يمشوا حفاة، لا صلة لهم باللباس وأنواعه، لا يهم الواحد منهم أن يخرج من بيته أفغانيا، أو تركيا، أو نصف عار. * هناك نوع من الخجل ربما سببه الشعور بالدونية، يعتري الآباء، هؤلاء، حتى أنهم يبدون ضيوفا حيثما حلوا، في بيوتهم، في الشارع، في المقاهي، ومن يمارس التجارة منهم، يستر خجله بنوع من الغطرسة، والعدوانية. لا تجد لهم، أثرا جماعيا، فهم من نوع الحيوانات التي يصطاد أعضاؤها فرادى، ولا شيء يجعلهم يرتبطون بالقطيع، أو بالأصل، حتى الفولكلور، وأغاني فريد الأطرش التي تربت أذواقهم عليها، وخلفت عندهم، روحا تشاؤمية من كل شيء، لا تعنيهم كثيرا. * هاته الفصيلة من المواطنين، يضاف إليها أولئك الذين لا تعليم لهم أصلا، تعيش نفس الاغتراب، الذي يعيشه مهاجرونا في أوربا. تمشي في شوارع، لم تعبدها، وتسكن في عمارات لم تبنها، وتتعامل مع محيط، لم تندمج معه. * من يقطع الطريق اليوم من الأبناء والأحفاد والأمهات والآباء، طبقا للقانون؟ من الشرطي الذي يلتفت إلى أن القانون يخالف أمامه، فيستخرج صفارته؟ * لقد انمحت من الذاكرة، بقايا تربية الخوف والامتثال، التي غرسها المستعمر، بكل آلياته. ولا شيء اليوم اسمه التمدين. * ما هي الثقافة التي يحتاج إليها هؤلاء الناس. أنظل نجتر الفولكلور، الذي يتشوه يوما بعد يوم؟ * ها هنا، عند هؤلاء، نجد المشتلة الكبرى، لكل الدعوات العودوية، والتطرف، والعنف، والانتقام من الآخر الذي يحاول أن يقتحم ذواتهم أو يستقر فيها، إن كان اقتحمها بعد. * إن الأعراض المرضية لهذه الفصيلة، وهي كبيرة بحكم تداخل الآباء والأبناء كثيرة جدا، لكن يمكن ضبط بعضها، مثل التطاول في البنيان.. حتى من له ولد واحد أو اثنان، يبني ما يسكن عشرين فردا، على طريقة، الأسرة الإقطاعية التي يلعب فيها الجد، الدور المحوري... ويتميز بنيانهم، بخلوه من الحدائق والجنائن، والخضرة بصفة عامة، ما يبرر المقولة الاستعمارية: العربي، عدو الشجرة. كما يتميز كذلك، بمحلات ضخمة معدة للتجارة. * هل من الصدفة، أن ينقسم الشباب، إلى قسمين، قسم يغرق في الراي، وقسم يغرق في التدين. * يقين أن المسألتين واحدة. فبشكل أو بآخر لا بد من امتلاء ما للفراغ. كما يقال... * - ليتك أضفت إلى نصك الأدبي هذا أن نسبة كبيرة من أبناء وبنات المفرنسين والمعربين تكتسب الجنسيات الأجنبية، خاصة الفرنسية... حتى أولئك الذين يتهامسون، باتهام ضباط فرنسا وحزب فرنسا من كبار ضباط الثورة ثلث أبنائهم صاروا مواطنين فرنسيين يحيون النشيد والعلم الفرنسيين ويحتفلون بأعياد انتصارات وأمجاد فرنسا. * لقد انتصرنا سياسيا بإقامة دولة، لكن انهزمنا حضاريا والخطر الداهم هو تقسيم التراب الوطني، بين الأبناء ومعهم المعمرون السابقون والخونة واليهود، وبين الآباء الراضخين كمقدمة لإقامة إمارات هنالك وهنا... * التعفن الجاري ليس بريئا. * قام أنف السيد الكبير بجولته كما لو أنه ثعبان استشعر حركة حوله، وعندما استقر، انطلقت ضحكة ودود مرحبة، جاهزة، كما لو أنها منحوتة على رخام قرمزي منذ عهود غابرة. * - راقت لي أفكارك العبقرية اليوم، كما لو أنك اطلعت على ما كان يدور في رأسي، بالأخص الطلاء، الأزرق وسط هذا البحر الأشهب، يجعل المنطقة تتحول إلى ورقة أورو أو دولار وسط كومة من الدنانير. * - هأه * - هأهأ * - هأهأ... ههأ... * - كيس. * قال المدير في سره، بينما تبسم الأمين العام، مظهرا للسيد الكبير إعجابه. * - السيد الأمين العام.. إنما أردت أن أقول لك، بأنه ومنذ اليوم، طلبات السيد مدير الثقافة أوامر تشبه أوامري. * - حاضر سيدي. أوامركم. * - طيب... عد للاجتماع.. عندي ما أقوله للسيد مدير الثقافة.