دعت وزارة الخارجية الفرنسية كل حكومات وشعوب أوروبا والمتوسط إلى إعطاء دفع جديد للاتحاد من أجل المتوسط، وقالت الخارجية في أعقاب استقالة الأمين العام للاتحاد "أحمد المساعدة" من منصبه إن فرنسا مقتنعة أكثر من أي وقت مضى بأنه يجب أن تكون أن هناك إرادة سياسية للتغلب على الخلافات من أجل بناء هيئة مشتركة تجمع ضفتي البحر الأبيض المتوسط. وجاءت تصريحات الخارجية الفرنسية على لسان الناطق باسم الكي دورسي بعد تقديم الأمين العام للاتحاد استقالته الأربعاء الماضي، وقد اعتبر الأردني أحمد المساعدة أن الظروف التي تولى فيها مهامه تغيرت الآن، غير أن الاستقالة اعتبرت من أهم المؤشرات على حالة الانسداد التي يمر بها الاتحاد منذ فترة غير قصيرة، فخلال سنة 2010 تم تأجيل قمة الاتحاد مرتين متتاليتين وكان السبب الأساسي هو المأزق الذي آلت إليه مفاوضات تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وقد رفضت الدول العربية المشاركة في قمة إلى جانب إسرائيل في ظل إصرار الأخيرة على الاستيطان وعلى رفض التجاوب مع مطالب دولية. من المفيد التذكير أن قمة الاتحاد المتوسطي الثانية تعرضت لبعض العقبات؛ فقد كانت تأجلت مرتين السنة الماضية، الأولى في شهر جوان والثانية في شهر ديسمبر ، إذ اعترف وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية بيار لولوش أن المواقف الأخيرة لإسرائيل في القضية الفلسطينية لا تساعد على الإعداد للقمة ، وقال الوزير أمام لجنة الشؤون الأوروبية في البرلمان الفرنسي: "إننا نعمل بشكل فاعل جدا على استمرار هذه القمة والحفاظ عليها إلا أن المواقف الإسرائيلية لا تساعدنا، كما لا تشجع العرب على المجيء إلى طاولة الاتحاد من اجل المتوسط". وأضاف لولوش "منذ الحرب على غزة، والاتحاد من أجل المتوسط رهينة للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني"، وحذر من أن "هذا التأخير يلحق أذى يدفع ثمنه امن مجمل" دول الاتحاد من أجل المتوسط. إن الإصرار الإسرائيلي على الاستيطان، وحالة الجمود التي آلت إليها عملية التسوية وتوقف المفاوضات المباشرة، كلها عوامل حالت دون عقد القمة الثانية في موعدها، فالعرب يرفضون الجلوس في طاولة يوجد فيها إسرائيليون لأنهم يعتبرون ذلك تزكية للسياسات الإسرائيلية الحالية القائمة على اغتصاب مزيد من الأراضي الفلسطينية، وفرض سياسة الأمر الواقع على دول المنطقة، وقد رفض العرب ومن ضمنهم الجزائر المشاركة في القمة رغم الجهود التي بذلها الإسبان نهاية العام الماضي. استقالة الأمين العام تؤكد أن الخلافات أبعد من قضية الصراع العربي الإسرائيلي، فما أشار إليه "المساعدة" هو غياب وضوح الرؤية، وهو ما طرحته عدة دول مشاركة، فالخلافات التي عصفت بمسار برشلونة وأفشلته عادت إلى الظهور وهي تتعلق بتناقضات جوهرية بين مطالب دول أوروبا والدول العربية المشاركة في الاتحاد، حيث يتم التركيز من الجانب الأوروبي على قضايا الأمن ومكافحة الهجرة السرية وعلى الاندماج الاقتصادي بين إسرائيل والعرب دون اهتمام بالوضع السياسي، في حين تؤكد الدول العربية على ضرورة توضيح أهداف الاتحاد ووضع مخطط عمل دقيق، وهو ما أشار إليه برنار فاليرو يوم الخميس عندما تحدث عن برنامج عمل تم إعداده لسنة 2011. مسألة تنقل الأشخاص تمثل إحدى أهم القضايا التي بدت وجهات النظر حولها متناقضة تماما، بين دول الضفة الشمالية والجنوبية للمتوسط خلال السنوات الأخيرة ، بل إن أوروبا ظلت تركز على مسألة الهجرة السرية، وعبرت بشكل واضح عن عدم استعدادها لفتح الأبواب أمام المواطنين من الدول الجنوبية للتنقل إلى أوروبا خشية استقرارهم فيها بشكل غير قانوني، وقد كانت خطوة بناء جدار عازل على الحدود بين المغرب ومدينة سبتة أكبر تجل للانعزال الأوروبي وإلى فشل مشروع الشراكة في بعده الإنساني، ولا تعترف أوروبا بوجود علاقات إنسانية بقدر ما تؤكد على جانب الهجرة السرية وما يترتب عنها من متاعب اقتصادية لدول الشمال، فضلا عن قضايا الانسجام الثقافي التي أصبحت موضع جدل في أكثر من بلد أوروبي خلال السنوات الأخيرة، وفي هذه الفترة بالذات تثور مسألة التأشيرات بشكل كبير بين الجزائروفرنسا وتؤكد أن القضايا الخلافية بين ضفتي المتوسط أكبر من أن تطوى بمجرد حديث عن مشاريع مشتركة أو عن برامج اندماج اقتصادي. فشل الاتحاد المتوسطي الذي يتجلى اليوم بوضوح أكبر يمثل إخفاقا كبيرا للدبلوماسية الفرنسية، فقد اعتبر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي هذا المشروع المدخل الأساسي لعودة فرنسا على الساحة الدولية غير أنه اضطر إلى التخلي عن جزء من أحلامه مبكرا عندما أرغمه شركاؤه الأوروبيون على تحويل المشروع من اتحاد متوسطي إلى اتحاد من أجل المتوسط ليدخل المشروع برمته في مأزق حقيقي قد ينتهي بإجهاضه.