"الله نور السماوات والأرض، مثلُ نوره كمشكاةٍ فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنّها كوكب دُريّ يوقَد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء. ويضرب الله الأمثالَ للناس، والله بكل شيء عليم" (سورة النور الآية 35).. في هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان المبارك، نعود من خلال هذا المقال، إلى موضوع أساسي تم التطرق له سابقًا، موضوع الإلهام. نهدف، بشكل رئيس، إلى إثبات، من خلال أمثلة لعلماء كبار معروفين، أنَّ تقدُّم المعارف العلمية والتكنولوجية في المجتمعات الصناعية المتقدمة، هو، في الواقع، امتداد للاكتشافات الأساسية التي كانت بمثابة البذرة لكل حضارة. هذه التطوّرات ليست نتاج الذكاء البشري وحده، بل تنبع من إلهام متسامٍ، كان يُطلق عليه في الماضي "النور الإلهي". قد يثير هذا الموقف دهشة أولئك الذين يركّزون، فقط، على الأسباب المادية. ونأمل هنا أن نوضّح صحة وأهمية هذا الرأي. في هذا السياق، التحدي الرئيس للجزائر يتجاوز الإعلانات الفارغة الحالية، هو تبنّي سياسة بحث وابتكار ذات رؤية طموحة، تستند إلى استراتيجية تركز على التكنولوجيات المتقدمة التي لديها فرص أفضل لإحداث مشروع تنمية وطني حقيقي، والانخراط، بشكل فعال، في ديناميكية التقدم؛ على غرار الاقتصادات الآسيوية، للتغلب على التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وبناء مستقبل مزدهر. المأساة الحقيقية للمجتمعات المتخلفة هي، في الأساس، حضارية. كان مفكّرنا الكبير مالك بن نبي يؤكد على أن الجزائر لن تتمكن من التقدم دون كشف السر الذي أدى إلى نشوء الحضارة الغربية1. الوضع الحالي لبلدنا في مجال التنمية الاجتماعية والنمو الاقتصادي، يظل، على الرغم من المظاهر وبعض التقدم الملحوظ في بعض المجالات، معتمدًا، بشكل كبير، على عائدات المحروقات، التي تمثل المصدر الرئيس للدخل دون أن يتمكن من تنويع اقتصاده، أو إنشاء صناعة قادرة على المنافسة دوليا. هذا الوضع يذكّرنا ب "الجاهلية"، عصر الجهل الذي سبق الإسلام، حيث لم يكن الثراء اللغوي مصحوباً بحركة فكرية حقيقية، لأنه كان يفتقر إلى أي إبداع خلاّق. هل تفتقر الجزائر إلى علماء بارعين؟ الجواب لا. المشكلة ليست في الكفاءات، بل في غياب الرؤية طويلة المدى، والأفكار الجديدة. ولحل هذه المشكلة نعتقد أننا قدّمنا بعض العناصر للإجابة، والتي يتم عرقلتها بسبب غياب الاستماع الجدي من قبل الحكام2,3. مفتاح التغيير يكمن في إدراك هذه الضرورة الملحّة، وفقا للآية القرآنية: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ". (سورة الرعد، الآية 11) على المستوى العالمي، تحتل العلوم والتكنولوجيا مكانة متزايدة الأهمية في حياة المجتمعات المتقدمة والناشئة. منذ منتصف القرن الرابع عشر، أدى تسارع المعارف العلمية والتكنولوجية إلى دفع العالم الغربي إلى فترة تحوّل عميق، تم وصفها تباعا، ب "الثورة العلمية والتقنية"، و"الثورة الصناعية الثالثة"، و«ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات"، والآن "ثورة الذكاء الاصطناعي والصناعة 4.0". العوامل الرئيسة التي أدت إلى هذا التطور كانت الاكتشافات العلمية الكبرى والاختراعات، خاصة تلك التي حدثت في العصر الحديث. ومع ذلك لا شكّ في أن الاكتشافات الكبرى، وفقا لجائزة نوبل في الطب ألكسيس كاريل، ليست، فقط، نتاج الذكاء البشري. العباقرة، بالإضافة إلى قدرتهم على الملاحظة والفهم، يمتلكون صفات أخرى؛ مثل الحدس، والخيال الإبداعي. من خلال الحدس يدركون ما يفوته الآخرون، ويقيمون روابط بين ظواهر تبدو معزولة، ويتوقعون وجود كنوز مجهولة. كل العظماء يتمتعون بهذه القدرة4. ألبرت أينشتاين، على سبيل المثال، كان يؤكد على الدور الأساس للحدس والخيال في العملية العلمية. كان يرى أن أفكاره لم تكن تأتي فقط من تفكير منطقي، بل غالبا ما كانت تأتي في شكل صور حدسية. كان يقول: "الحدس هو هبة مقدسة. والعقل المنطقي هو خادم مخلص. لقد أنشأنا مجتمعا يكرم الخادم، وينسى الهبة". كما كان يؤكد على أهمية الحدس بقوله: "الشيء الوحيد القيم حقا هو الحدس". وأخيرا، كان يبرز القوة الإبداعية للخيال مقارنة بالمعرفة البحتة، حيث قال: "الخيال أهم من المعرفة؛ لأن المعرفة محدودة، بينما الخيال يحيط بالعالم بأسره". نيلز بور، الفيزيائي الدنماركي وأحد مؤسسي ميكانيكا الكم المعروف بنموذجه للذرة المسمى "نموذج بور"، كان يؤكّد على أهمية الحدس في فهم الظواهر الكمية. وكان يقول: "لا يمكننا الاستغناء عن أشكال الحدس المعتادة لدينا، التي تشكل إطار كل تجاربنا، وتلوّن كل لغتنا". مبدأ التكامل الذي وضعه يوضح جيدا ضرورة تجاوز المفاهيم الكلاسيكية لفهم ثنائية الموجة - الجسيم، وجوانب أخرى متناقضة من العالم الكمي. جون باردين ووالتر براتين اثنان من مخترعي الترانزستور الصلب الذي حل محل الأنابيب المفرغة، اعترفا أيضا بأهمية الحدس التجريبي. كان براتين يشرح أنّ "التجربة والحدس التقني يسيران جنباً إلى جنب: غالبا ما تكون الاختبارات البسيطة هي التي تؤدي إلى أكبر الاكتشافات". من جانبه، كان باردين يؤكّد على أنّ "حتى في الصرامة العلمية هناك جزء من الحدس يوجّه الخيارات، قبل أن تؤكّد النتائج ذلك". وغالباً ما كان ذلك يأتي في شكل صور حدسية. هنري بوانكاريه عالم الرياضيات والفيزياء الكبير، كان يؤكد أيضا على أهمية الإلهام في العلم؛ "نستخدم المنطق لإثبات الأشياء. ونستخدم الحدس لاكتشافها". من جانبه، كان نيكولا تيسلا يعزو جزءاً كبيراً من اختراعاته إلى ومضات عبقرية مفاجئة؛ "عقلي ليس سوى مستقبل. في الكون، هناك نواة نحصل منها على المعرفة، والقوة، والإلهام". مثال آخر مثير للاهتمام يوضّح البساطة والمثابرة، هو توماس إديسون، مخترع المصباح الكهربائي. تم تصنيفه على أنه "غير مستقر" من قبل معلمه. واضطر لترك المدرسة بعد ثلاثة أشهر فقط من الدراسة. ومع ذلك سمح له إبداعه وإصراره بإحداث ثورة في مجال الإضاءة، وتسجيل أكثر من ألف براءة اختراع. إديسون يجسّد مثال العبقرية التي على الرغم من التعليم الرسمي المحدود، استطاعت تحويل حدسها ومثابرتها، إلى اكتشافات كبيرة. كان يقول: "العبقرية هي واحد في المائة إلهام، وتسعة وتسعون في المائة جهد". هذه الظاهرة هي ما كان يُطلق عليه في الماضي "الإلهام". في الحياة العادية كما في العلم، وفقا لألكسيس كاريل، الحدس هو وسيلة معرفة قوية، ولكنها خطيرة. قد يكون من الصعب أحيانا التمييز بينه وبين الوهم. أولئك الذين يتبعون الحدس معرَّضون للخطأ. إنه ليس دائما موثوقا. فقط العظماء أو الأشخاص البسطاء ذوو القلوب النقية يمكن أن يحمَلوا إلى قمم الحياة العقلية والروحية. إنّها قدرة غريبة. ظاهرة الإلهام هذه التي كانت تُسمى في الماضي "الوحي"، توضّح تأثير النور الإلهي في تقدّم البشرية. الإمام الغزالي، منذ أكثر من ثمانية قرون، في كتابه "إحياء علوم الدين"، كان يتحدّث عن هذه الحقيقة، مستشهدا بالقرآن؛ "يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ". (سورة النور، الآية 35) وكتب: "تظهر الحقائق في النفس دون التعليم، وهذا يشبه الأنبياء، الذين يتم إلهامهم بأشياء غامضة دون أن يتعلموا أو يسمعوا، وهذا ما يُسمى بالإلهام". كما في عصور الأنبياء السابقين، بالنسبة للمؤمن، مثل هذا التأكيد لا يمثل سوى التفسير التاريخي. والتجسيد العملي لهذه الكلمات من الإنجيل: "في البدء كانت الكلمة". وفي الجزيرة العربية، على سبيل المثال، لم يكن هناك شيء قبل نزول القرآن. ولكن بمجرد أن نزل الروح إلى غار حراء، كما حدث سابقا على جبل سيناء وعلى مياه الأردن، وُلدت حضارة كما لو كانت محتواة في الكلمة الأولى من القرآن. هذا الأمر "اقرأ" الذي قلب حياة الأميّ في مكة، ومن خلاله مصير العالم بأكمله. منذ تلك اللحظة كان على شعب الجزيرة العربية أن يقفز قفزة هائلة على مسرح التاريخ، حيث بقي في المقدمة لقرون، ما يثبت أنّ تطوّر المجتمعات يعتمد في المقام الأوّل على الارتقاء الفكري والروحي. ومن الملاحظ أن هذه القفزة لم تكن من صنع علماء بارزين أو سياسيين محنكين، بل كانت من صنع أناس بسطاء، مثل موسى الراعي، وعيسى النجار، ومحمد، الذين جاءوا برسالة إلى آلاف من الناس البسطاء، بلغتهم، وبمستوى فهمهم، وقادرين على تغيير حياة البشر5. في الختام، في عالم يتغيّر باستمرار، يتميز اليوم بصعود الاقتصادات الآسيوية التي تشهد نمواً صناعيا سريعا (الصين، سنغافورة، كوريا، تايوان، الهند، ماليزيا، وفيتنام)، فإن التحدي الرئيس لبلد مثل بلدنا، لم يعد مجرد سد الفجوة، بل الانخراط، بشكل فعال، في ديناميكية التقدم. هذه الدول استفادت من التكنولوجيات المتقدمة أو العالمية، مثل المواد المتقدمة، والإلكترونيات الدقيقة، والتكنولوجيا الحيوية، ومصادر الطاقة الجديدة، واستخدمتها كمحركات استراتيجية للتنمية. التاريخ يعلمنا أن الاكتشافات الكبرى ليست، فقط، نتاج العقل، بل غالبا ما تكون نتاج إلهام متسامٍ، وحدس رؤيوي. هذا المزيج كان دائما المحفز للابتكار، والمحرك الأساس للتقدم الشخصي، والمهني، والريادي، والاجتماعي. الجزائر، على غرار هذه الدول، يجب أن تتبنى هذه الديناميكية، وتستغل إمكاناتها البشرية والفكرية بشكل كامل، سواء المحلية أو المغتربة. من خلال الاستثمار في هذه التكنولوجيات، والاندماج الاستراتيجي في سلاسل القيمة العالمية، والاستفادة من الفرص في مجال الشراكات والتحالفات الاستراتيجية والوصول إلى هذه التكنولوجيات الجديدة، سنرى كيف يمكن إطلاق عملية ديناميكية ومستقلة للتنمية الصناعية، وخاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة في بعض المجالات الأساسية. ومن المتوقع أن يكون لهذه العملية لاحقا، تأثيرات مضاعفة ومحفزة في مجالات أوسع. يمكن الجزائرَ ليس فقط تحديث اقتصادها، بل أيضا أن تفرض نفسها كفاعل رئيس على الساحة الدولية. وهذا يتوافق تماما مع الرغبة التي أعربت عنها أعلى هيئة في القارة الإفريقية لبناء قدرات في هذه المجالات التكنولوجية، التي ستكون مجالات حضارة الألفية الثالثة6. وبالتالي الهدف ليس التوحيد، بل التنمية المتناغمة، حيث يظل كل مجتمع على طبيعته، ويتقدم بوتيرة العالم، وفقا لروح الآيتين القرآنيتين التاليتين: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً". (سورة هود، الآية 118) و"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا". (سورة الحجرات، الآية 13) المراجع ❊ شروط النهضة: مشكلة حضارة، م. بن نبي، طبعة S.E.C.، 1992 ❊ كيف نواجه تحديات التنمية الوطنية، جريدة الوطن، 3- 4 فبراير 2025 ❊ سياسة البحث والابتكار 2024-2029، التحديات التي تنتظرنا، جريدة التعبير، 16 نوفمبر 2024 ❊ الإنسان ذلك المجهول، أ. كاريل، باريس، مكتبة فون، 1935 ❊ الإسلام الحي، ر. غارودي، دار الكتب، 1986 ❊ مؤتمر رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية، أديس أبابا، 1985