'' مموزين'' قصة حب صاغها شعرا أمير شعراء الأكراد أحمد الخاني.. ثم كتبها نثرا، ونقلها إلى العربية وأقام بنيانها القصصي الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي..للصوفي قلب روح وبدن.. يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وله خلجات وانفعالات وأحاسيس، يجوع ويشبع، يدب وينام..إلا أنه ليس كغيره في معالجة اعتصار القلب وهوى النفس وهيجان البدن.. وليس كغيره في قصده ومشيه. صوفي أحب عشق شابين فراح يطرز قصة غرامهما ولوعتهما على صفائح البلور النقية، وصوفي أحب ذلك الحب فبكى لأجله طويلا وراح يدونه في قصة رائعة، كانت فريدة قرنها ووحيدة دهرها، تنفذ إلى وجدان كل من اطلع عليها، فتكسب وده ومناصرته إلى يوم الناس هذا أنها قصة مموزين الكردية الأصل والمنبت. قدر لشابين '' ميمو'' و'' زين'' أن يتحابا على غير طريقة الآخرين، وأن يتعانقا بحبهما قلبا وروحا معنى وإحساسا بعيدا عن المادة والجسم.. فألهب ذلك إدراك ومشاعر الشاعر الكردي الكبير '' أحمد الخاني'' البارع في علوم الفقه والفلسفة، والتصوف والأدب فصاغ أحداثها شعرا. وقدر لهذه المأساة التاريخية الواقعية أن تضرب بعنف في أعماق عالم جليل من أصل كردي، إنه الدكتور '' محمد سعيد رمضان البوطي'' فقام بترجمة منشورة من الكردية إلى العربية فكانت بحق مصدر إلهامه في عالم البحث والتأليف. فنسخ منها قصة نثرية مستوفية الشروط والأركان .... مبرزا لوعتها وحرارة وجدانها فكانت '' باعترافه'' باكورة أعماله الأدبية المكسوة ببرد سابغ من لغة السحر والبيان لأول مرة سنة 1957 ثم أعيد طبعها ثانية فثالثة فرابعة فخامسة سنة 1982 وهي الطبعة التي حظيت بالاطلاع على نسخة منها عن الأستاذ الفاضل - مولود خلف الله - الذي جلبها من سوريا هذا العام إنها قصة حب نبت في الأرض وأينع في السماء.... البوطي أديب فذ.. في حوالي 200 صفحة من كتاب ذي حجم متوسط مثلت صورة وجه غلافه منظرا خريفيا حزينا لطبيعة عارية خاوية خالية، منكمشة تحت غضب الأعاصير وركام الثلوج... وكأن الجرح أصيب به هو .. فأضفى عليها من آيات جمال اللغة، وسحر بيانها الشيء الكثير. استهل هذه الجوهرة النادرة في '' عالم الصوفية'' بإهداء وجهه إلى القلوب التي تجرعت الحب علقما، ولم تذقه رحيقا واحترقت بناره، ولم تقطف شيئا من ثماره.. ثم مقدمة قصيرة مكتنزة بدرد الألفاظ وأسمى المعاني، وأجمل العبارات، وأودعها إيضاح رغبته ومبتغاه في ترجمة هذه الملحمة التي هزت فيه الروح والقلب والأوتار. فعلى لسان الشاعر '' أحمد الخاني'' وبشيء من التصرف في التركيب، والاستعانة بنسج الخيال الذي يقتضيه، نقل مثل هذه القصة إلى العربية وإقامة بنيانها القصصي ونثر بيانها الشعري في مضمونات رائعة مثل هذه، دعا الساقي لأن يغرق عليه من خمرة وردية اللون عصيرها من ثمرة الروح، مستخلصة من سر القلوب، وجدت قبل وجود الكرم والعنب. تقديسا لها يقدمها هذا الساقي في أكواب درية مجوهرة حتى تمتلك الاستطاعة والقدرة على إثارة نشوته، فتهيج منه ذلك الفؤاد الغاني، وتسكر عقله الحيران. ودعا المغني ليتمم سكرة الروح بشجي من شدوه وطربه، آمرا بإبهاج العين برؤية المناظر الجذابة من الورود الفاتنة والأغصان المتمايلة، لتأخذ بمشاعره وإحساسه فيسكر حتى الثمالة عله يغمى عليه فيدرك صفو القلب وتجلو أمامه أسرار الحياة. فيمتلك من القوة ما يكفيه على بعث فاجعة تاريخية محفوفة بالحسرات والآلام فيحصل له الشرف من خلال سرد وقائعها أن يداوي قلبين في مرقدهما السرمدي. وهما من اشتعلت فيهما نار الحب الطاهر العفيف... فيدفع بقصتهما من تحت الأنقاض إلى الوجود، فيجلي زافرتهما بأنغام تطرب القلوب وتبهج النفوس من غير أوتار ودون أزهار بادية للعيان. فيكون الصادق الوفي مع نفسه ومع العاشقين المحمومين المعذبين المغمورين تحت التراب، ويكون أمينا مع شعب تفاعل بكل جوارحه مع هذه القصة، فجعلها تاجا لأدبه مرصعا بالقبول والرضا. دارت وقائع هذه القصة المؤثرة وفصولها في جزيرة يوطان '' الكردية'' المعروفة الآن بجزيرة '' ابن عمر '' وانبعثت حوادثها من داخل قصر أميرها ''زين الدين'' منذ ستة قرون ونيف. لم تقتصر زينة القصر الباذخ على الغالي والنفيس من متاع الدنيا وزخرفها، ويعج فقط بالخدم والحشم من الغلمان وأجمل الجوادي والفتيات. إنما أسمى ما كان فيه من آيات السحر الفتان والجمال اللامتناهي، هو شقيقتان للأمير '' زين الدين'' وجدتا في ذلك القصر المنيف، زادتاه جمالا على جمال وهبة على هبة، وأي شيء يدهش ويحير أكثر من جمال كان الله سبحانه وتعالى هو مبدعه ومصوره. ليس أبدع وأروع وأثمن وأعلى مقاما من وصف الشيخ البوطي لهما، فأفسح له المجال ليقول فيهما : '' غير أن الآية الكبرى للجمال في ذلك القصر لم تكن منبعثة عن أي واحدة من تلك الجواري والحسان، وإنما كانت سرا لدرتين شقيقتين غير كل أولئك. خلقهما الله في ذلك القصر، بل في تلك الجزيرة كلها مثلا أعلى للجمال، ونموذجا كاملا للفتنة والسحر الإلهي في أسمى مظاهرهما وكأنما أبدعهما يد الخلاق هذا الإبداع العجيب في ذلك القصر الرائع، ليؤمن كل فنان بارع، ومبدع وصانع، أن الجمال إنما هو هذا! لا رصف إلا حجار وفن النقش وصنعته التلميع، هذه فتنة تبهر القلوب وتكسر الألباب وذلك رونق يبرق في الأعين ويزغن بالأبصار، وشتان ما بينهما من فرق كبير. ولم تكن هاتان الشقيقتان سوى أختين للأمير '' زين الدين'' كان اسم كبراهما التي لا يتجاوز عمرها ربيع العشرين '' ستي'' وكانت بين البياض الناصع والسمرة الفاتنة، قد أفرغ الجمال في كل جارحة من جسمها على حدة، ثم أفرغ بمقدار ذلك كله على مجموع جسمها وشكلها، فعادت شيئا أبرع من السحر وأبلغ من الفتنة. وأما الصغرى واسمها '' زين'' فقد كانت هي وحدها البرهان الدال على أن اليد الإلهية قادرة على خلق الجمال والفتنة في مظهر أبدع من أختها وأسمى. كانت هيفاء، بضة ذات قوام رائع، قد ازدهر في بياضها الناصع جمرة اللهب، ذات عينين دعجاوين، أودعهما الله كل آيات اللطف التي تتسامى على التعبير. ولم تكن شقراء غير أن شعرها الأسود الفاحم، وقد أحاط كسحر الليل بوجهها الذي قسمت ملامحه أبدع تقسيم وامتزج فيه عندما الشفاه ولهب الوجنتين ببياضه الناصع، كان يتخن الألباب فتكا ويغمد العقل سكرا. وكانت لها إلى ذلك كله رقة عجيبة في روحها وخفة متناهية في دمها فكانت في مجموعها خلاصة لأروع أمثلة الجمال والخفة واللطف. ¯ يتبع