إن النقاش ليس جديدا، إن النمو الاقتصادي في بلداننا، هل يجب أن تصاحبه الديمقراطية (السياسية والاجتماعية)، أو على العكس، سيتسبب الانفتاح السياسي في كبح النمو الاقتصادي. هل سيكون عقبة أمام النمو كما تؤكد بعض الأطروحات القائلة أن النمو الاقتصادي يحتاج إلى وجود دولة قوية. يؤكد صاحب جائزة نوبل في الاقتصاد، الهندي أمارتيا سان، أن الديمقراطية مكون أساسي للتنمية، إنها لا تسبق وليست نتيجة للتنمية بقدر ما هي جزء من التنمية. وبحسب هذا الاقتصادي الهندي اللامع، وحدها الديمقراطية يمكنها في بلدان الجنوب، أن تنشط كل فعاليات المجتمع المتعددة والمتنوعة. إن الطرف الآخر للمعادلة، هو أن نجاح اقتصاديات دول آسيا ومنها الصين والفيتنام وكوريا الجنوبية وقبلها اليابان، كانت قائمة على دولة قوية، الحكومة القوية هي الوحيدة القادرة على توجيه كل الإمكانات في اتجاه النمو. بالنسبة للاقتصادي الفرنسي، فرانسوا بورغينيون، كبير الاقتصاديين السابق، والمدير الحالي لمعهد باريس للدراسات الاقتصادية، "نعلم شيئا قليلا في الحقيقة حول علاقة الديمقراطية بالنمو، بعد الاقتصاديين والسياسيين، يرون الديمقراطية على أنها من الكماليات التي تعرقل النمو، وتعقد مسار اتخاذ القرار الاقتصادي وترفع سلوك الاستهلاك. بالنسبة لبعض الاقتصاديين، يرون العكس، أي أن الديمقراطية تسمح بالاستعمال الأمثل للمعلومة والموارد لكل المواطنين، وتمنع بروز دولة مدمرة". (المرجع: لي إيكو، 15 10 2010). ويضيف بورغينيون، أن "غياب الديمقراطية لا يظهر كعامل نمو، ولا كعامل كبح: الأعمال النظرية لا تسمح بالفصل في النقاش.."، وإذا اعتبرنا بالتجربة الحالية للصين، فإن قادة هذه الدولة يعتقدون بالنظرية القائلة إن النمو الاقتصادي السريع يحتاج إلى دولة قوية، وفي نفس الوقت يرون أن "الديمقراطية لا يمكن توفيرها للرأي العام سوى بواسطة النمو الاقتصادي السريع". إن هذا التفكير صالح لكل بلدان آسيا باستثناء الهند. يجب إذن وبكل ثمن تجنب كبح النمو الاقتصادي. المسألة حيوية بالنسبة للجزائر: هل ننتظر تحقيق مستوى من النمو الاقتصادي، قبل الشروع في التحول الديمقراطي، مع قبول المغامرة أن ذلك يحدث بطريقة عفوية وحتمية؟ أم الشروع في التحول الديمقراطي من أجل فرض قاعدة واسعة لجهود التنمية. مع وصول بوتفليقة لرئاسة الجمهورية، فإن السائد هو نظرية الدولة القوية، وتأجيل التحول الديمقراطي إلى ما بعد تحقيق النمو الاقتصادي. لسببين تم تقديمهما لتبرير هذه المقاربة: 1 - الانفتاح الديمقراطي الذي تقرر نهاية سنوات الثمانينات، في الجزائر التي لم تكن جاهزة للتعددية السياسية، فتحت الطريق للإسلام الراديكالي، الذي استعمل الديمقراطية لقتل الديمقراطية. لقد كانت التجربة قصيرة ولكنها كانت سوداء ومدمرة. 2 - بوتفليقة أعاد تذكير من يريد الاستماع ومنذ بداية عهدته الأولى، أن الشعب الجزائري يحتاج قبل كل شيء، للشغل والتربية والسكن وعائد محترم، وليس إلى الديمقراطية في ظل الفقر، وليس إلى "التعددية السياسية التي تعطي معنى للبأس". إن مرحلة الانفتاح التي عرفتها نهاية الثمانينات، تلتها المرحلة التي نعيشها حاليا من غلق سياسي وعودة قوية للدولة في محاولة لتسريع النمو لتبرير وجود ملامح ديمقراطية. الرأي الآخر، الذي يتم الدفاع عنه من البعض هو المتعلق بضرورة الشروع في التحول الديمقراطي في الجزائر التي تعتبر اليوم قوية جدا بشبابها المتعلم والمنفتح على العالم، والذي ينتظر منذ مدة طويلة استلام الحق في تقرير مصيره بيده في ظل عولمة المجتمع. مرحلة التعامل مع الإسلاميين يجب تصحيحها حتى لنعيد الوقوع في نفس خطأ التسعينات، لتبرير تأجيل الديمقراطية. في المجال الاقتصادي، لم يسبق التدليل أن تدخل الدولة، والتسيير الإداري، هي أحسن وأنجع من اقتصاد السوق. وعلى العكس من ذلك، وحتى باسم الإنتاجية والتسيير العقلاني للنشاط الاقتصادي، فإن اقتصاد السوق، يظهر أنه يؤكد نجاعته اليوم أكثر من أي وقت، في إطار عولمة الاقتصاد. إن الأحزاب الشيوعية الصينية والفيتنامية، فهمت جيدا، ضرورة السماح بالانفتاح والملكية الخاصة وفرض ميكانيزمات السوق في تسيير الاقتصاد. أما نحن، فإن النقاش المتعلق بالنمو واقتصاد السوق والديمقراطية، لا يمكن تأجيله أكثر، تحت طائلة "عدم فقدان التوازن"، و"الاصطدام العنيف أمام أول عائق لا يمكن تجنبه".