تمثّل رواية عبدالقادر شرّابة ”نصف وجهي المحروق”، الصادرة مؤخرا 2012 عن دار الألمعية، أحد نصوص الهامش الذي يظلّ بحاجة ماسّة إلى الاحتفاء والإضاءة حتّى يأخذ حظّه من الحضور والتناول النقدي والإعلامي بشكل منصف، مثله مثل الروايات والنصوص التي ينتجها مركز العاصمة، حيث الاستقطاب والاهتمام بما يستحقّ ولا يستحقّ. من المؤسف ونحن في زمن القرية الكونية، أن نتحدّث عن الهامش وعن جناية المكان على كاتب، قدره أنّه وُلد وكتب في مكان غير العاصمة ليجد نفسه مهضوم الحقّ أدبيا وإعلاميا.. رواية ”نصف وجهي المحروق” هي حكاية المكان والذاكرة والمسكوت عنه في تاريخنا ومجتمعنا.. رواية البحث عن الوجه الخفيّ للحقيقة المراوغة التي تغوي وتتزيّن بأقنعة كثيرة وخادعة. وكما لكل شيء ثمنه فإن كشف الحقيقة المغيّبة يحتاج إلى تضحيات خرافية، حد ّتشويه ملامح بطل الرواية الذي يحترق نصف وجهه، فيما هو يكابد من أجل المحافظة على صفائه وملامحه الأصيلة وبراءته الإنسانية.. يقول الكاتب في توطئة الرواية ”واليوم سأكشف لكم نصف وجه، راجيا أن يكون بعضا من وجهها، لعلي أغريكم فترسموا كامل ملامحي هناك في الغياب البعيد عن عتبات الحضور الكاذب.. لا تسألوني هل أكلت النار الأخيرة بعضا من وجهك؟ وهل ستكشف لنا بعضا منه محروقا أو معافى؟ أنا لا أجيب ولكنّني لا أستطيع كبح نفسي عن التساؤل مثلكم، وأنا وحيد في غيابي: ما عساكم تمسكون إن أمطتم لثامي، أرمادا نديّا يسدّ مناخركم، ويعمي إبصاركم الضعيفة ، ويملأ أكفّكم بالدرن؟ أم وجه نبّي غيّبته حرمة التصوير، فيمنحكم هالة القمر؟”. تغوص بنا الرواية في مدينة بوسعادة كفضاء مكاني وحضاري مليء بالسحر والجمال، وتقدّم لنا رؤية ضافية عن تاريخه وعاداته وطقوسياته وحواريه مستندة على تقنية الربورتاج الأدبي حول المدن.. التي أبدع الكاتب في رسم أدقّ تفاصيلها بريشة الفنّان، ملتقطا صورها بدراية وانتقاء كبيرين، وكانت النتيجة أن قدّم لنا نصّا روائيا بالغ الجمال عن بوسعادة لا كما رأتها أعين المستشرقين و السيّاح ولكن كما رآها عبدالقادر أصيل هذه المدينة التي انكتبت بقلمه روائيا كأنصع ما تكون، حتى وهو يعرّي واقعها المزيّف، ويعرضها على حقيقتها دون أقنعة أو مساحيق. لقد بدا لي أن ملامح شخصية عبدالرحمان وسمير تحيلان على شخص واحد، فهما يمثّلان وجهين لبطل واحد، أراد الكاتب لهما هذا الفصام من أن اجل التنويع وتعدّد الأصوات التي أنقذت الرواية من الملل. فعبدالرحمان الشاب المثقف الطموح الذي كان ينتظره مستقبل زاهر، تطارده لعنة التاريخ، كونه إبن حركي، فتحوّله إلى إرهابي ينتهي به المطاف في معتقل صحراوي، يروي على الكثيب الغربي ما احتفظت به ذاكرة الرمال من سيرتة المجروحة التي انتهت به إلى قتل أب صديقه الحميم سمير وأخته.. لكن ما تبقى من براءته دفعه إلى كتابة رسالة اعتذار.. أما سمير فيمثل العاشق المحبّ للحياة، لأن القدر شاء أن يكون دليلا لصحافية فرنسية اسمها ”سميدار” سرعان ما تعلّق بها وجرفه تيار حبّها، جاءت في مهمّة ظاهرها إنجاز ربورتاج ”على آثار الفنان دينيه”، ليتبين في ما بعد أنها فتاة من أصول يهودية مصابة بمرض يسمّى ”الحنين إلى الوطن”، وقد نصحها طبيبها بعلاج يخفّف عنها، وهو زيارة قبر جدّها وأهلها في مدافن اليهود ببوسعادة. لكن ظروف الحرب التي اندلعت بين حزب الله وإسرائيل أجبرتها على العودة سريعا إلى باريس بشكل مفاجئ لسمير، تاركة إياه في دوامة من الحرقة والحيرة وأسئلة كبيرة سرعان ما كشفت له عنها في رسالتها التي حملتها له مديرة متحف ديينه، ما دفعه إلى التفكير في الالتحاق بها في باريس، وهي تودّع الحياة، ولم يكن أمامه من سبيل إلا البحث عن المال الذي خبّأه له عبدالرحمان في مكان ما، كتعويض عن الالآم التي سبّبها له. لكن أثناء ذلك يفاجأ بقوّات الأمن تمسك به، معتبرة إياه إرهابيا خطيرا، وأثناء استنطاقه يطلب ورقة يدوّن عليها سيرته أيضا، وحكاية سقوطه واحتراق نصف وجهه رمزيا.. تبدو رواية ”نصف وجهي المحروق” لعبدالقادر شرّابة، بلغتها الشعرية المتوتّرة التي راهنت على ”المتعة واللعنة”، رواية مشحونة بالدلالات الرمزية والنفسية التي تشدّد على مفردات الذاكرة والحكي والاحتراق والاغتصاب، وهي مقولات تشكّل خلفية الرواية التي تظلّ بحاجة إلى قراءات أخرى تنفتح على ممكنات كثيرة. أحمد عبدالكريم