توانسة يتعرّفون على أجواء رمضان لأول مرّة بالجزائر لم يتوقف الأشقاء التونسيون على التوافد عبر المراكز الحدودية للولايات الشرقية ولم يمنعهم شهر الصيام من مواصلة معاملاتهم مع مواطني وسكان الولايات الداخلية، وجدناهم منهمكين في شراء ملابس، أحذية، أقمشة، وغيرها على مستوى القطب التجاري لولاية أم البواقي على مستوى مدينة عين فكرون وكأن الأمر يتعلق ببقية الأشهر. روبورتاج وتصوير: أحمد ذيب رافقناهم بعدها في يوم رمضاني مميّز وقفنا حينها على دهشة الأشقاء في الطريقة التي خصّهم بها المواطن الجزائري، جود وكرم في أيام الشهر الفضيل ميزة دأب عليها الجزائريون والذين جعلوا بذلك الرعيّة التونسي لا يحس بشعور الغربة خارج موطنه ودفعه ذلك لحمل رسالة لبقية زملائه من التجار وغيرهم "أنْ أقبِلوا إلى بلاد الجزائر" هكذا قالوا وبتلك العبارة عبروا لنا على مائدة الإفطار على مستوى مطعم الجوهرة ل"عمي رشيد" الذي فتح أبوابه وجنّد عماله لاستقطاب المعوزين وعابري السبيل. "لم نكن نتوقع أن نجد ضيافة مثل التي وجدناها" التجار التونسيّون الذين التقينا بهم على مستوى مدينة عين فكرون تبين أنهم حجزوا لهم غرفا على مستوى فندق سندباد وسط مدينة أم البواقي وبحسب بعضهم فأسعار الفندق وبقية الفنادق بالولاية مرتفعة مقارنة بأسعار مثيلاتها بولاية تبسة وباقي الولايات الحدودية، ومع هذا فذلك لم يمعنهم من الحجز والمبيت في الفندق. العامل الآخر الذي جعل التجار المعنيين يحجزون في الفندق الذي يتوسط المدينة هو قربه من أحد مطاعم الإفطار وهو ما استخلصناه من خلال حديثهم لنا، الذين صادفناهم يتبضعون عبر مختلف المحال التجارية التي تبيع ملابس وغيرها بالجملة أجمعوا على أنهم لم يتوقعوا مثل حفاوة الاستقبال وحسن الضيافة مثل الذي وجدوه ومن خلال حديثهم تأكدنا بأنها أول مرة يزورون الجزائر شهر رمضان. وحسبهم فالفكرة التي توقعوا حدوثها وتجسدها على الميدان تلاشت تدريجيا بمجرد التجول بين أزقة وشوارع المدينة، التجار التونسيون قدموا وبحوزتهم مبالغ مالية إضافية تحسبا لإفطارهم على مستوى أحد مطعم الشعبية غير أنهم تفاجأو بدعوة صاحب المطعم المجاور للفندق الذي نزلوا به ومعها تلقيهم عديد الدعوات من طرف مواطنين من مناطق مختلفة. التاجر (الهادي غنيمي) الذي يعيل أسرة من 7 أفراد وفي حديثه لنا دقائق قبل آذان الإفطار بين بأنه وزملاءه الذين قدموا من منطقة سيدي بوزيد وجدوا الجزائريين أناسا طيبين ومضيافين، وحسبه فكأنه في بلده تونس وبلا فوارق فكل الظروف مهيأة لراحتهم إقامة وأمن ومطعم للإفطار، وهو الأمر الذي شجعهم على برمجة رحلة للعودة من جديد خلال الأيام القادمة. عادات متشابهة وأطباق موحدة المطعم الذي يفتح أبوابه للمرة الرابعة على التوالي ويستقبل قرابة ال100 معوز يوميا عرف توافدا كبيرا لأرباب الأسر والعائلات الفقيرة والمعدمة وهم الذين هجموا هجوما كاسحا بمجرد إعطاء إشارة تحضير أنفسهم على الموائد. من جهتهم الرعايا التونسيون من التجار خصصت لهم موائد على مستوى المقهى المجاور للمطعم لكونهم قدموا بمعية عديد النسوة اللاتي امتهن هن الأخريات نشاط التجارة. التجار الذي خصصت لنا أماكن للإفطار إلى جنبهم بينوا بأن الوجبات التي حضرها المطعم لا تختلف كثيرا على الوجبات التونسية من سوى التسميات، وكذا أنهم من جانبهم يعتمدون على التوابل والبهارات بكثرة وأكلاتهم طعمها حار أكثر من الوجبات الجزائرية. الوجبة المقدمة للإفطار احتوت أطباق "الشربة" "شطيطحة دجاج" و"سلاطة" وهي التي نالت إعجاب التجار التونسيين، الذين قدموا بمعية تاجرات وأغلبهن مطلقات وأرامل دفعتهن الظروف الاجتماعية المزرية إلى البحث عن لقمة العيش من خلال إعادة بيع بضائع يستقدمونها من البلدان المجاورة ليبيا في الوقت السابق والجزائر حاليا. النسوة التاجرات ومن هن الأرامل والمطلقات أكدن في ردهن على سؤال حول طبيعة ونوعية الوجبات المقدمة على مائدة الإفطار بأن هدفهن ليس تقييم الوجبات بقدر ما هو شراء بضائع مختلفة وعن الوجبات فأكدن من خلال مشاهدتهن لما هو مقدم بأن العادات والتقاليد الجزائريةالتونسية متشابهة ف"الشربة" أو كما قالوا "الدشيشة" "سمحة وبنينة" وهي كما الطبق الثاني المسمى عندهم ب"البريك" من سوى إشارتهم إلى أن أطعتهم تعتمد في طريقة طهيها بكثرة على البهارات والتوابل وحارة في مذاقها. تونس اليوم ليست كتونس بن علي التجار الذين صادفناهم في تغطيتنا هذه قدموا كلهم من مسقط رأس الشاب محمد البوعزيزي ملهم الثورات العربية وفي حديثهم عن الأوضاع الأمنية على وجه الخصوص أكدوا بأن تونس اليوم ليست كتونس في عهد الرئيس المخلوع بن علي وذلك من خلال تحسن الظروف ومزاولة نشاطهم التجاري في ظروف جيدة بعيدا عن المضايقات والإهانات ففي فترة الرئيس السابق كانت تجارة الأرصفة تخضع لقيود كثيرة وصعوبات جمة وكونهم كما أشاروا "لقاطوا خبزة" فهم تعتمدون بكثرة على الأرصفة لإعالة أسرهم ويتنقلون من منطقة لأخرى كسبا لقوتهم وأفراد أسرهم ويتنقلون، كما أضافوا بين أسواق الجملة في كل من صفاقس وقفصة والقيروان وأولاد محمد والزرزاف وسوق لجديد. التجارة التي كانت مراقبة تحررت اليوم وأضحت مناسبة لكسب لقمة العيش الحلال عكس السابقة التي كان فيها كما أضافوا رجال الأمن يقتطعون مبالغ مالية عن كل صاحب بضاعة مثلما صرحوا بالقول "ياخذوا فكّان ومصاريف" وغيرها في إشارة إلى الرشوة. وعن الأجواء في تونس الحرة كما وصفوها بينوا بأنهم يقضون أول رمضان مرتاحي النفس والضمير يؤدون صلواتهم ويتعبدون دون حسيب أو رقيب من الأجهزة الأمنية، أصوات المساجد مرتفعة بالآذان أبوابها مفتوحة تمتلئ اليوم بالمصلين على عكس الفترات السابقة ويصلي مرتادوها حتى خارج جدرانها ويفترشون الشارع في مشاهد توحي بأن الخناق المفروض على الشعب سابقا تطليقه وبلا رجعة. ومن جهة أخرى أوضحت النسوة اللاتي التقينا بهن ومن بينهن مفيدة همامي المتزوجة والبالغة من العمر 42 سنة ربة أسرة من 5 أطفال والتي بينت بأن المرأة في الوقت الحالي متحررة في لباسها وأضحت تتحجب تلقائيا بعد أن منع عليها ذلك موضحة في هذا الشأن بأن الجزائريات المتحجبات والمحافظات أكثر بكثير من التونسيات اللاتي كن يتوقفن تلقائيا عن العمل ويُطردن من مقاعد الدراسة إن تحجبن في عهد النظام السابق. الأوضاع في ليبيا دفعتنا لاكتشاف الجزائر من التقينا بهم من التجار التونسيون ومن الجنسين أجمعوا بأن الأوضاع الأمنية غير المستقرة في ليبيا دفعت كثيرا منهم إلى خوض مغامرة اكتشاف الجزائر والتي وجدوها حسبهم عكس الأخبار والمعطيات التي وردتهم تفاجأو كما ذكرنا بنوعية الاستقبال ومعه راحتهم الأمنية إن على مستوى الأسواق والمحال التجارية أو على مستوى مكان إقامتهم في الفندق. (ه سلمى) البالغة من العمر 40 سنة والأرملة أكدت بأنها وطيلة 15 سنة كاملة بين غدو ورواح إلى ليبيا وتونس لم تكن تعلم بأن الظروف في الجزائر أفضل مما هي عليه في ليبيا قبل اليوم فكل شيء متوفر كما أضافت والبضاعة الموجودة في ليبيا موجودة في الجزائر. من جهتها (ه مونيا) التي تعول أسرة من 3 أفرد أشارت بأنهن يأتين بعد أن نقل تجار مثلهن لمعطيات إيجابية عن الوضع في الجزائر وحسبها فهن يتقدمن ومعهن 200 دينار تونسي بما يعادل 3 ملايين جزائرية كي لا يعودون ببضائع حجمها مخالف لما هو محدد عند المراكز الحدودية. المتحدثات إلينا بين بأنهن يشتركن كلهن في إعالة أسرهن من خلال إعادة بيع ما يشترينه من بضائع المتمثلة في الملابس على اختلافها من الرجالية والخاصة بالأطفال إلى النسوية ومعها الأقمشة وغير ذلك وهي بضاعة تعرف إقبالا ورواجا من الجانب الآخر. وبحسب السيدة (ه مفيدة) فهناك هامش ربح جعلنهن يفكرن في العودة من جديد ومن خلال حديثها أكدت بأنها في الجزائر وجدت راحتها فلا هي تعرضت للسرقة ولا صادفت إشكالية مع التجار والمواطنين على حد سواء. محدثتنا وفي مقارنة بسيطة أوضحت بأن النقل ووسائله في الجزائر خدماته وأسعاره أفضل بكثير مما هي عليه في ليبيا، من جهته أشار التاجر المسمى (الضو محمد) بأنه تفاجأ للأجواء الممتازة مؤكدا بأن سعر البضاعة في ليبيا منخفض نوعا ما ففي ليبيا هي بفارق دينارين إلى 3 دنانير ما يقارب ال20 إلى 25 دينار تونسية لكن ذلك لم يمنعه من التسوق في الجزائر وحسبه فالسعر المرتفع في البضاعة يقابله مسافة قليلة على عكس المسافة المقطوعة نحو ليبيا. في ختام دردشتنا مع الرعايا التونسيين توجهوا بكامل تشكراتهم للسلطات المحلية والولائية والحكومة الجزائرية وكافة الشعب الجزائري على المعاملة الأخوية وكل الظروف التي هيئوها لهم وحسبهم فتونسوالجزائر تربطهم علاقات تاريخية وحاربوا جنبا إلى جنب الاستعمار الفرنسي، مشيرين بأنهم يتنقلون من مسقط رأسهم وصولا لبوشبكة ومنعين فكرون وكل الولايات التي يقصدونها في سلاسة تامة وسينقلون ما وجدوه في الجزائر في مشهد كلي للتجار التونسيين الذين لم يزوروها ومعهم كافة المواطنين.