التدخل الفرنسي في مالي سيحول المنطقة إلى مستنقع و سيخلق أزمة إنسانية غير مسبوقة يؤكد البروفيسور محند برقوق أن التدخل العسكري الفرنسي في مالي سيدفع بالأزمة إلى مستويات أعلى وسيجعل من المنطقة مستنقعا حقيقيا ليس فقط من خلال توسيع محتمل لمجالات التشابك بين الجماعات المختلفة والجيوش المالية أو الإفريقية أو الأخرى، للضبابية التي سيخلقها بين الإرهاب والمقاومة التي سوف تستخدم كغطاء آخر من أجل التجنيد. وقال البروفيسور برقوق المختص في القضايا الاستراتيجية والخبير في العلاقات الدولية أن التدخل العسكري ترجمة لرغبة فرنسية في ذلك وليس تلبية لطلب من مالي، ملفتا الانتباه إلى التدخلات العسكرية في إفريقيا طيلة العشرية الماضية كانت فرنسية. حاوره عبد الحكيم أسابع بداية كيف ترون الأزمة المالية وأسباب الوصول إلى هذا المنعرج الخطير، بعد تدخل فرنسا عسكريا تحت عنوان محاربة الإرهاب؟ منذ بروز أزمة مالي للواجهة مرة أخرى للواجهة بعد تمرد المعارضة فإن الأزمة الداخلية تغيرت وقد ساهمت عملية التغيير العسكري للحكم في 22 مارس 2012 في تسريع عملية منظومة الحكم وما عقد الوضع أكثر هو وجود ثلاثة مجموعات من الفواعل غير الدولاتية، حركتين للمطالبة الهوياتية وهي أنصار الدين وحركة تحرير الأزواد من جهة والجماعات الإرهابية المتمثلة في القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا ومجموعات من الجريمة المنظمة والمتاجرة بالسلاح والمخدرات وبالبشر .. هذا الوضع جعل 940 ألف كلم مربع خارج السلطة المالية بعد خسارة تاريخية للجيش المالي في غضون 15 يوما للسيطرة على ثلثي الأراضي في الشمال أمام حركة التحرير الوطني للأزواد لكن هذا التصور الجيو سياسي جعل من عملية تحديد طبيعة الأزمة أكثر تعقيد ليس أزمة هوية وليس أزمة أمنية فقط بمعنى وجود فواعل غير دولاتية عنيفة او إجرامية وإنما هذا المزج موجود ما جعل البعض يخلط بين حركة أنصار الدين والجماعات الإرهابية وهذا ما جعل العديد من الدول تطالب بضرورة التفرقة فيما بينها ولذلك ورأينا أن الجزائر استطاعت في 21 ديسمبر الماضي عقد اتفاق بين أنصار الدين وحركة تحرير الأزواد التي تلغي أي لبس في هويتها بعدم ارتباطها بالإرهاب أما الموقف الفرنيس فمغاير تماما إذ منذ جويلية 2012 أي مع صدور القرار الأممي 2056 فهي تلجأ دائما إلى جعل هذا الغموض يبقى سار وهو ان أنصار الدين جماعة إرهابية بحكم أنها كانت تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ما رأيناه منذ جويلية 2012 هو النزعة الفرنسية نحو العمل العسكري رأينا أن الاتحاد الإفريقي قدم تصورا على خلفية القرار 2071 الصادر يوم 12اكتوبر الماضي عن مجلس الأمن خلال التبني الاستراتيجي لحل الأزمة المالية من خلال بناء تصور يقوم على الحل السياسي بالحوار وتنظيم انتخابات ديمقراطية دون استثناء وأيضا عملية بناء المقدرة الذاتية للجيش المالي مع مذهب ثاني ليوم 21 نوفمبر 2012 الذي يقر بضرورة إرسال 3600 جندي من الاكواس 3600 جندي من '' الإكواس '' التي ليست لها تجربة في مكافحة الإرهاب ولا على مستوى العمل المشترك ورأينا أن قوات الإكواس بقيادة نيجيريا في ليبيريا وسيراليون قد نجحت ولكنها فشلت في الأزمة الداخلية في الكوت ديفوار مما استدعى تدخل فرنسا في أفريل 2011 ما رأيناه حاليا أن القرار 2085 الصادر يوم 20 ديسمبر الأخير ليس إذن بالتدخل العسكري بل هو إذن بالانتشار العسكري داخل الإستراتيجية الشاملة ، التي تحتوي على أربعة عناصر وهي الحوار مع كل الفواعل المالية في الشمال وفي الجنوب من أجل تنظيم انتخابات تشريعية ذات مصداقية قبل نهاية أفريل 2013، بمعنى إنهاء معضلة لاشرعية من يحكم في باماكو والعمل ايضا على توحيد السلطة المالية والثاني هو بناء المقدرة العسكرية للجيش المالي وعملية نشر 3600 جندي من الإكواس واحتمال وجود جنود من خارج إفريقيا والرابع هو التبعات الإنسانية. وما قامت به فرنسا منذ 24 ديسمير 2012 عن طريق وزيرها للدفاع هو القول باحتمال القيام بعمل عسكري قبل نهاية الثلاثي الأول من السنة الجارية ( 2013) عكس نص القرار الأممي 2085 الذي يعطي مدة سنة لتنفيذه مع وجود عملية لتأهيل الجيش المالي وعملية بناء القيادة المشتركة لهذه البعثة الإفريقية لدعم مالي. لذلك فإن قرار فرنسا بالتدخل العسكري هو قرار فرنسي ولا أعتقد أنه جاء بطلب من مالي بقدر ما أعتبر أن الطلب المالي هو غطاء عن هذا القرار الفرنسي الذي سوف يعمل على تأزيم الأمر أكثر مما يحققه. هل تعتقدون أن فرنسا قادرة على حسم المعركة ميدانيا في مواجهة الجماعات المسلحة في مالي؟ أظن أن التدخل العسكري في الأزمة المالية هو بمثابة صب الزيت على النار وهي بمستوى دفع الأزمة إلى مستويات أعلى، ليس فقط من خلال توسيع محتمل لمجالات التشابك بين الجماعات المختلفة والجيوش المالية أو الإفريقية أو الأخرى ولكن أيضا سوف يجعل الضبابية واسعة بين الإرهاب والمقاومة التي سوف تستخدم كغطاء آخر من أجل التجنيد. وهذا الخط الفاصل بين من هو إرهابي ومن هو غير إرهابي سيصبح تقريبا منعدما واظن أن الفصل بين أنصار الدين والجماعات الأخرى سوف يكون من الصعب القيام به وأظن أن ما رأيناه في الخطاب الفرنسي المبرر للعمل العسكري الذي تم الشروع فيه يوم الخميس هو القول بأن أنصار الدين هي جماعة إرهابية هي محاولة لتقديم شرعية لما يتم القيام به لكن المشكلة الأخرى أننا سنبقى أمام الجيوش الإفريقية غير المؤهلة وغير المتناسقة وغير المتجانسة من حيث القيادة وأكثر من ذلك أننا سنجد أنفسنا أمام مجموعة من جيوب المجابهة العسكرية التي ستدخل المنطقة أمام دوامة من العنف قد تجعل الإرهاب الموجود في مالي إرهابا منتشرا وفق أربع سيناريوهات انتشار داخل مالي من خلال انتشار من كيدال وتمبكتو إلى وغاو إلى مناطق أخرى مما يجعل من الصعب التحكم فيه داخل مالي والاحتمال الثاني هو الانتشار نحو موريتانيا بحكم وجود تجربة للجماعات الإرهابية في موريتانيا واحتمال انتشاره في النيجر بحكم أنه في التاريخ كلما وجدت أزمة في مالي إلا وانتشرت في النيجر، وفي النيجر كما هو معروف الكثير من المصالح الإستراتيجية لفرنسا التي ستحاول أن تحميها واحتمال انتشار الأزمة والعمل العسكري أيضا في النيجر والاحتمال الثالث هو لجوء بعض الجماعات الإرهابية نحو الجنوب الجزائري ، واعتقد هنا أن الجزائر اتخذت واتبعت إستراتيجية استباقية منذ مدة لمنع هذا الاحتمال من خلال دعم مختلف آليات التحكم والإدارة الأمنية للحدود وأيضا على مستوى وجود آليات الإشعار عن تحركات الجماعات الإرهابية استعلاماتيا أو ميدانيا والاحتمال الرابع وهو الأخطر وهو انتقال كل هذه الجماعات نحو كل المنطقة بما فيها ليبيا وأظن أن ليبيا فيها كل عناصر التأزم كغياب سلطة الدولة، غياب إدارة أمنية وغياب جيش ووجود عدد كبير من الأسلحة فضلا عن وجود تفكك مجتمعي ووجود ألوية لجماعات إرهابية كالجماعة الليبية المقاتلة واحتمال وجود خلايا إرهابية نائمة ، بما يجعل تمدد خارطة الإرهاب يشمل كل المنطقة وهو الأمر الذي من شأنه أن يوسع هذه الأزمة ويجعلها صعبة التحكم لكل دول الجوار وسيجعلها تتحول إلى جبهة دولية لمحاربة الإرهاب. وهل تشاطرون الرأي الذي يذهب إلى القول بأننا سنكون في ظل هذه الاحتمالات أمام أفغانستان جديدة؟ نعم وهذا ما حذرت منه من قبل، نعم إننا سنكون أمام وضعية أخطر مما كنا عليه على مستوى الانتشار الإرهابي سواء على مستوى التجنيد أو على مستوى توسع الرقعة الجغرافية للنشاط الإرهابي، وهذا ما سيهدد مصالح الكثير من الدول وقد يهدد استقرار الكثير من الدول المجاورة. ألا يمكن تفسير ما قامت به فرنسا من تدخل عسكري في مالي وفق المبررات التي قدمتها أو الغطاء الذي تختفي تحته أنها تستغل الوضع الحالي في هذا البلد من أجل بسط نفوذها لكي تبقى تتواجد هناك بشكل دائم؟ خلال العشر سنوات الأخيرة كل التدخلات الاجنبية في القارة الإفريقية كانت فرنسية، مثل تدخلها في تشاد في جانفي 2009 لإنقاذ حكم الرئيس إدريس ديبي الذي كان على وشك السقوط والتدخل في 2011 لإسقاط قباقبو ضد حسن واتارا في الكوت ديفوار الذي يقود حاليا الجوق الفرنكوفوني وأيضا هذا التدخل في مالي يِكد أنا فرنسا في طور الانتشار العسكري لها وفرنسا متواجدة في 5 دول إفريقية عسكريا من خلال اتفاقيات وهي أيضا مرتبطة بالعديد من الدول الإفريقية باتفاقيات للتعاون العسكري وأظن أن التدخل الفرنسي الحالي في مالي شبيه إلى حد ما بالعمليات العسكرية في 2009 في تشاد ضد المتمردين مع اختلاف الوضع في مالي. أنتم تقرون في تحليلكم للوقائع والأحداث بأن تأزم الوضع في مالي سيطول أمده؟ نعم التدخل العسكري الفرنسي في مالي لن يكون لأيام أو أسابيع أو لأشهر بل سوف يخلق مستنقع من الصعب إدارته على المستوى الأمني وسوف نرى تدريجيا هروب الآلاف من اللاجئين بما سيخلق أزمة إنسانية غير مسبوقة . كيف تقرأون الموقف الأمريكي الذي يبدو غير واضح؟ الولاياتالمتحدةالأمريكية متوافقة في رد فعلها الأولي، مع فرنسا من حيث الأهداف وليس من حيث الاستراتيجية، والموقف الأمريكي في الواقع لم يوص بتدخل عسكري بقدر ما أوصى بعمل عسكري عل اساس انتشار 3600 جندي من الإكواس وعدد من القوى الأجنبية بالإضافة إلى تمكين الجيش المالي. هل تعتقدون أن فرص الحل السلمي للأزمة المالية الذي تتمسك به الجزائر مازالت قائمة أم تم تقويضها بإسراع فرنسا في التدخل العسكري؟ أظن أن فرص الحل السلمي مرتبطة بمستوى انتشار العنف حاليا هو مازال في المنطقة الجنوبية من الأزواد، وهذا ما يجعل احتمال لجوء الجماعتين المتمردتين إلى الالتزام بقرارهما بتغييب اي تكون للعلاقة مع الجماعات الإرهابية في لقاء الجزائر ليوم 21 ديسمبر ما يعطي إمكانية لحوار جديد بين هاتين المجموعتين مع الحكومة المالية ومن ثم أظن أن التدخل العسكري قد يحقق إحدى أهدافه وهو وضع ضوابط للحوار بما يخدم الحكومة المالية وليس بالضرورة يخدم مطالب هاتين الحركتين المتمردتين.