أتاح لي اليوم، عياشي احميدة مشكورا، فرصة الكتابة عن فنان ما زال على قيد الحياة، وهو تقليد سيرسخ تقاليد تهتم بالأحياء، وليس بالمقابر فقط· الأعوام التي لها نكهة: في مطلع الثمانينيات التقيت مصادفة بالفنان محمد بوليفة، وكنت أعرفه جيدا من خلال ألحانه وأغانيه الهادئة· لا أدري كيف توطدت العلاقة بيننا لتصبح عائلية، نسيت هذا، وكان علي ألا ننسى لولا خراب الذاكرة· كانت عائلته معزوفة حقيقية، هناك في دائرة جامعة تعرّفت إلى تشكيلة أسرته كاملة، كانت عائلة غريبة بالنسبة إلي، كل أفرادها عازفون ومغنون، ولا أحد يجهل ما تقوله آلة العود في صمت الصحراء وبهائها· ظللنا في تلك الفترة التي سلاما عليها، نشد الرحال إلى هنا وهناك دون تردد، ودون حسابات أزمنة الخوف والأمعاء، من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، وكنا سعداء بطريقتنا· في تلك الفترة التي تشبه حلما، كنا جماعة من أحفاد الصعاليك والتروبادور، فينا الشاعر والمخرج والجامعي والمترجم والممثل والناقد والصوفي والملحّن، وكان بيت محمد بوليفة، المعلق في الطابق الحادي عشر، بحي العناصر، قبلتنا وبعض وطننا الذي صنعناه على المقاس، بعيدا جدا عن الإيديولوجيات التي أصبحت أصغر منا· ربما اكتشفنا قبل ذلك العبث المقنّع فاحتمينا بالموسيقى والعلامات المضيئة، وربما عرفنا الخديعة الجاثية خلف الخطب والشعارات، إن لم يكن هذا وذاك معا· في ذلك الطابق الأسطوري أحاط بوليفة نفسه بهذه المجموعة المؤلفة من الأساتذة والفنانين والكتاب والمسرحيين، وكان يحب تلك الأجواء ويطالع كثيرا: الشعر والقصة والترجمة والموسيقى والرواية والتاريخ وعلوم اللغة، وكان يسأل كثيرا، ويغضب كثيرا كذلك، ثم يضحك بالجملة· بالنسبة إلينا، نحن الجامعيين، كان ذلك استثناء· من النادر جدا العثور في البلد على مطرب له هذه الاهتمامات الأدبية والفنية واللسانية مجتمعة، وبتلك الذائقة في انتقاء القصائد الغنائية، العاطفية منها والملتزمة، هكذا خلقت تلك الرابطة التي وحدتنا أعواما، وقد لا تتكرر إطلاقا· صديقنا سليمان: من الكنود وفساد الأخلاق ذكر محمد بوليفة دون الحديث عن الشاعر الرائع سليمان جوادي، كما هو، بطاقته الفنية المذهلة وبرحلاته وفوضاه وعبقريته· غنى بوليفة كثيرا من قصائد جوادي· وكان هذا الثنائي يشكل بالنسبة إلي، ظاهرة حقيقية لم تستثمرها الأغنية الجزائرية، من أغنية الساندويش إلى أغنية الشيطان· لم يكونا محظوظين، كما الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، أو كما مارسيل خليفة ومحمود درويش، ومن المؤسف حقا أن ينمحي هذا الثنائي في مرحلة لم تكن مناسبة لمثل ذلك الشعر الغنائي وتلك الألحان التي من نسغ الوتر ومن ضوء المبادئ التي تربينا عليها في ذلك الوقت البعيد· محمد بوليفة وسليمان جوادي يشبهان توم وجيري، لكل عالمه، لكنهما موهوبان وصديقان استثنائيان، كثيرا ما حضرت شغبهما المستمر، وكثيرا ما حضرت ألفتهما، تلك البهجة التي تسكن في أعماق كل منهما، خاصة بعد ميلاد أغنية ما، وما أكثر تلك الأغنيات السعيدة التي كانت تؤثث وقتنا بما يشبه قوس قزح، أو بما يشبه ورد البلاغة والعلامة· كان يحدث لنا أن نشهد هذا الميلاد المبارك من بداياته الأولى، وكثيرا ما كان محمد يسألنا عن رأينا في القصيدة وفي اللحن والأداء، وكنا آنذاك نتناقش ونقترح في حدود التخصص والذوق· ولقصائد سليمان جوادي نكهتها وعفويتها ومتخيلها، ولخيارات بوليفة وألحانه متكأ ومرجعية، وإذ كنا نقترح عليه أشعارا مهمة تغمره غبطة· لقد ظل صارما في اختيار الأشعار التي لا تخدش الروح والأذن، لقد كان منضبطا جدا وانتقائيا، ولم يحدث أن تنازل على الجانب الأخلاقي إطلاقا، ولكن··· ولكن··· ولكن··· غلبت الكفة الأخرى في سياق ثقافي مختلف، وكان ذلك حزينا ومؤثرا ومأسويا ومرّا· كم هو عدد الخسارات؟ ما زلت أتذكر: ''عاد القطار من البلد'' و''سأزور كل حديقة كانت لنا فيها ذكرى، سأزور ذكرى حبنا، سأزورها حلوا ومر''، ثم جاءت لاحقا قصائد أخرى لشعراء جدد، وكانت قصيدة: ''كنت وحدي أغني على شرفة في بلاد بعيدة -بلا سبب واضح للغناء- وكانت وحيدة -وذات مساء- التقت نظرتانا على ومضة من شعاع قصيدة - فاشتغلنا معا بالغناء'' من النصوص الجديدة التي اشتغل عليها بوليفة، دون إغفال مستجدات سليمان جوادي الذي شربته مدينة الجلفة ومهامه الإدارية· كنا وقتها نحس ببعض الفقدان، وعندما يأتي جوادي إلى العاصمة ننسج وليمة، ثم نعاقبه بطريقتنا، وكان يستحق عقابا أشد لتخليه عن المجموعة وعن كتابة الشعر، وكان يلعننا بكل اللغات، دون أن تفارقه الابتسامة· بقيت فكرة راسخة في الذهن: عزوف بوليفة عن كل ما له علاقة بالإيديولوجيا الفظة، أو بالأغاني التي فيها رائحة السياسة والشعارات· كان مقتنعا بأن ذلك ظرفي ومقيت، لقد ضربته الحيطان، كما يقال عندنا، ولذلك أسس على النصوص ذات الأبعاد الإنسانية، ليس إلا· وكانت تلك قناعته التي لم يتنازل عنها عندما كانت تقترح عليه قصائد ''مشبوهة''· شيء آخر: أعتقد أن محمد بوليفة شخص في منتهى الهشاشة، حساس جدا ويتألم حتى لموت أرنب، بتعبير القديس أغسطين، وقد يكون هذا الجانب ذا أهمية في الأشعار التي كتبها بالعامية، أو في خياراته لنصوص الموروث الشعبي الجزائري، وحتى في حياته اليومية، كما عرفته لسنوات، في العاصمة وتيزي وزو وبسكرة والوادي ووهران وجيجل وفي مدن أخرى، ثم في رحلاتنا المكوكية التي تبدو لي الآن مستحيلة وأسطورية· أظن أننا كنا مجموعة من المجانين، وكان الوطن أكثر شساعة مما هو عليه اليوم· لقد ظل محمد يتضايق من الأماكن، يدخل في حالة من الكآبة والملل، وهكذا كنا نمتطي سيارته الزرقاء من نوع 205، ونسافر إلى أي مكان· بالمناسبة: كان يسمي تلك السيارة مرجانة، نسبة إلى إحدى أغنياته· لم يفارقه العود أبدا، بيد أنه قد لا يعزف أحيانا ولا يغني إن تسرب إلى المجموعة عنصر ''يفهم كثيرا'' في كل الحقول المعرفية، دون استثناء، في تلك الأوقات يتخلى عن أصابعه وعن الأوتار ويتملكه نوع من السأم، وكنا نفهم ذلك· غنى لاحقا لشعراء آخرين، دون تمييز، لقد كان يقرأ النص ويعالجه ويتدرب عليه بالحذف والمعاودة، ومن هذه النصوص التي أعجبته قصيدة ''صفي لي دمي'' كانت قصيدة ذكية، وإذ تلبس الألحان تغدو مملكة من فراشات الرب التي تحلق في أجواء الروح· أحببنا كثيرا تلك الأغنيات، وكنا نرددها معه نحن الجوقة الفاسدة التي لا علاقة لها بالأداء· يبدو أننا كنا نغني مثل علب المصبرات، وكنا نضحك على أنفسنا في ذلك الوطن الصغير القابع في الطابق الحادي عشر· لابد أن ثقافة محمد هي التي منحته تلك المؤهلات الجمالية والرؤيوية، وهناك محيطه الذي يتذوق الفن ويعرفه، أذكر مثلا: أبو العيد دودو، محمد حسين الأعرجي، عبد العزيز بوبكير، المخرج علال خروفي، الشاعر عمار مرياش جيلي عبد الرحمان، عثمان بيدي، مصطفى فاسي، أحمد الأمين ومحمد الصغير، وكان هذا الأخير قطبا غريبا في صمته، وغريبا إن تكرم علينا بجملة واحدة، كائنا يشبه زوربا ويشبه الحلاّج وابن عربي دفعة واحدة· لم أذكر سوى أسماء قليلة من ذلك العالم المستقل عن الدنيا· عرفت لاحقا عائلة حرمه الكريمة وميلاد ابنته ''نغم''، ثم تقطعت السبل، دخلت البلاد في محنتها وشلت حركاتنا· أول شريط: سافرت مع محمد بوليفة إلى بسكرة لتسجيل أول شريط له، مكثنا هناك سبعة عشر يوما، ما بين الولاية وسيدي خالد وأولاد جلال وجامعة، لابد أنه يتذكر تلك المصيدة التي لا أريد التطرق إليها· ولابد أنه سيضحك عندما يقرأ هذه الإضمارات· حكاية قصيدة: كان النهار ممطرا جدا، وكانت لنا سيارة ومظلة، ولما وصلنا إلى بن عكنون صدمتنا صورة مؤلمة· لم يتوقع محمد أن يشاهد ما رآه، كان المشهد مثيرا ومرعبا· قال لي علينا أن نمشي ونمشي بلا مطرية، وبعد ساعة أصبحنا مطرا، وعندما رجعنا إلى ذلك الطابق القريب من السماء والآخرة، أحضر ورقة وبدأ يكتب: ''عييت نقولك لالا - عييت نقولك أرجع - صديت علي وخذيت - حالك مني ومشيت- هذي البداية يا قلبي- وانت اللي آخر من سمع- درت أمانك في أوهامك- قلت أناي المستحيل- لقيت حبابك سدوا بابك- وارماوك وحدك في ليل···'' إلى أن يقول: ''خليها تكبر لورود - ما نقطفهاش يمكن تعود···'' تناقشنا في الواقعة وفي الكلمات قبل أن يلحن المقطع، قلت له آنذاك هناك صور وجب استبدالها، ومنها: خليها تكبر لورود، واقترحت عليه خليها تتبسم لورود· وفي الغد ذهبنا إلى حي ديدوش مراد قبالة الجامعة المركزية، كان هنالك بائع زهور، وقفت أمامه وقلت لبوليفة وأنا أنظر إلى وردة ذابلة: الورود تكبر هكذا، وضحكنا· لقد أدرك ما قصدته من وراء ضرورة استبدال الفعل· أوردت هذه الحكاية التي غدت أغنية ترددت كثيرا في الإذاعة الوطنية، ولا أعتقد أن هناك من يعرف أنها جزء من الواقع ومن الذات، لكن الأهم من ذلك أن هناك تمكنا من ترويض الخيال ومملكة الكلمات، وهناك تكمن قوة محمد بوليفة في كتابة القصائد التي لحنها وأداها· لقد كان يصنع النصوص بتؤدة، مثل أجدادنا القدامى، وكان يعرف إمارة البلاغة بفعل احتكاكه ومطالعاته وبصيرته الثاقبة· هناك إشارة ضمنية إلى حال كلمات الأغنية الجزائرية ومآلها، هناك من يجتهد ويختار وهناك من يقول أي شيء، على حساب الذوق والحياء· ومع الزمن سنكتشف مجموعة من الفجائع التي تعكس واقعنا المتردي ثقافيا وفنيا· متفرقات مجتمعة: كنت شاهدا على كيفية تعامل بوليفة مع الأوبيرات وبعض المغنين، وكنت سعيدا عندما لحن لوردة الجزائرية إحدى قصائد مفدي زكريا، لكنه ظل يعيش حياة غسق وفلق، ليس له مال، لكن له كرامة نادرة· وكان كريما وطيبا رغم حالات الإحباط المستمر وحالات التوتر، وإذ كنت ألح عليه على تسجيل بعض الأغاني، كان يقول لي: لمن تغني؟ لسنا في وقتنا· الناس يحبون أمورا أخرى· كان ذلك صحيحا وواقعيا في جزء منه، وكانت تلك معاناة مازال يعيشها إلى اليوم· مازال يهاتفني في منفاي ويحدثني عن الأغنية والكلمات وعن الوطن الذي كان واسعا جدا، عن موت الأصدقاء وموت المبادئ وموت ذلك الوقت الذي اكتشفنا فيه كل البلد· تهاتفنا يوم الجمعة ليلا، قلت له إني أكتب عنك شيئا ما في هذه اللحظة، على بعد ستمئة كلم رأيت ذلك الفرح القديم يثب في عينيه، ورأيته يبتسم· شكرني ممتنا، أما الآن وقد أنهيت المقال فقد اتضح لي أني كتبت لا شيء، لذلك أطلب من بوليفة أن يسحب شكره إلى حين، لأنه أكبر من هذه الكلمات بآلاف السنين، أكبر من هذا النثر المنثور ومن هذه الشهادة التي تبدو كزرّ في قميصه المنسي في جهة ما· لا يمكن اختزال الناس الموهوبين في علامات لغوية معقوفة، يلزم هؤلاء تماثيل من الحب والعرفان، وليس من الإسمنت· ستراجع الأزمنة ذاكرتها، وسنكتشف بعد موتنا، أن هذا الاسم كان كبيرا، وكان يفضل أن يعيش على الكفاف، على أن يتنازل عن الأغاني النظيفة الهادفة·