يعاني قصيرو القامة في الجزائر، من مأساة حقيقية أمام نظرة المجتمع السلبية والخاطئة لهم، فكثيرا ما يوجه لهم من يحيطون بهم نظرات جارحة تزرع لديهم شعورا بالإهانة والتمييز، إلا أن بعضهم تحدوا العراقيل لكسب لقمة عيشهم. من جهة أخرى قررنا رصد وجهة نظر من يتعاملون مع قصيري القامة بالأحياء الشعبية، حيث لفت إنتباهنا عمل أحد الأقزام بأحد المقاهي المتواجدة ببلكور، فقررنا التقرب من صاحب المقهى الذي أخبرنا انه لايجد أي مانع في عمل قصيري القامة بالمقهى حيث يقول أعتبر هذا العامل كشخص عادي خاصة أنه يمتلك اخلاقا عالية، كما يجيد عمله وأنا سعيد بالتعامل معه، ولا أشعر بأي تمييز بيني وبينه، كما يضيف لا أفكر بأنني أطول قامة منه، وأحزن كثيرا حين يتعرض أحدهم للحرج والإهانة لقصر قامته”. كما لا يتم توظيف قصيري القامة من الشركات بل يوافق بعض مالكي الورشات على عملهم بها، كونهم قادرين على إجادة ما يكلفون به في مهن بسيطة يكسبون بها لقمة عيشهم. حيث يقول صاحب ورشة النجارة، الذي لم يمتنع عن تكليف عمال قصيري القامة بمهام مختلفة بورشته، حيث يقول “من خلال معاشرتي للأقزام، تبين لي أنهم على درجة شديدة من الحساسية. وكثيرا ما تنهمر الدموع من عيني إذا تعرض أحدهم على الملأ لكلمة جارحة قيلت له من الزبائن، وهو ما خلق لدي صعوبة لاختيار العناصر القادرة منهم على التعامل مع الجمهور، الذي يجمع الصالح والطالح بالورشة”. أقزام يفرضون وجودهم بمشاريع ناجحة بالرغم من العراقيل التي تعترض طريق قصيري القامة بالجزائر، إلا أن عددا لايستهان به منهم حاولوا الإندماج داخل مجتمعهم بإبراز طموحهم و مهاراتهم أوإبداعاتهم التي تفوق الأشخاص العاديين، حيث أننا علمنا في حي العناصر 2 عن تواجد أحد قصيري القامة الذي قام بإفتتاح شركة خاصة بتكنولوجيات الإعلام الألي، فقررنا طرق أبواب منزله حيث كشف لنا أنه لطالما تعرض للمضايقات سواء بمدرسته وحتى عند تجوله بالشارع إلا أنه حاول إرتداء ملابس تتطابق مع الموضة لتكون هيئته كالأشخاص العاديين، كما أنه إمتلك خبرة واسعة بالإعلام بعد تربصه بأحد مراكز التكوين المهني بعدما كانت نظرة زملائه له سببا في تخليه عن مقاعد الدراسة، حيث أخبرنا أنه يضع “الكيت مان” بهاتفه لتفادي الكلمات الجارحة التي يوجهها المارة له، كما أنه حاول فك عزلته بإقامة علاقات طيبة مع رفاق عاديين، وعن مشروعه الناجح، فيقول أنه قد أنجزه بمساعدة وكالة دعم وتشغيل الشباب التي وفرت له سيارة وأجهزة إلكترونية سمحت له بتطوير مشروعه عبر خبرته الواسعة بهذا المجال. كماحققت قصيرة القامة “جميلة” البالغة من العمر 27 سنة شهرة واسعة بحيها، من خلال براعتها الكبيرة في صناعة الأزياء التقليدية وحلويات الأعراس، حيث أخبرتنا أنها لم تواصل دراستها بفعل نظرة المجتمع لها لكنهاحاولت كسب لقمة عيشها بإعتمادها على صنعة يدها لتضمن مستقبلها، وعن نظرة الزبائن لها فتقول “لقد أبرزت لهم قدراتي الخارقة للعادة بملابس العرائس التي نالت إعجابهم، وهو ما جعلهم يكنون لي إحتراما كبيرا ولا يقللون من قيمتي، أما بخصوص نظرة الأخرين لي فلا تهمني ما دمت حققت نجاحا بعملي”. قصيرو القامة يواجهون البطالة بأدوارهم الكوميدية هو عالم غريب يختلط فيه البكاء بالضحك، وتندهش الأعين لمفارقات العلم والطبيعة والبشر حين تسمع حكاياتهم وكأنهم كائنات قدرهم أن يعيشوا على الهامش، في بقعة أيضا يختلط فيها النور بالعتمة، فهؤلاء الأقزام الذين نصادفهم على الحافة أحيانا في عروض السيرك لجلب ضحكات الجمهور، أو في طوايا مشاهد محددة في السينما والمسرح وبخاصة في الأعمال الكوميدية لإشاعة جو من المزاح والسخرية، لا تنحصر مأساتهم فقط بقصر قاماتهم وإنما تشمل نظرة المجتمع إليهم، وكأن دورهم في الحياة لا يعد ولايحصى كونه مجرد مادة للتسلية والسخرية، ناهيك عن شعورهم الدائم بأنهم منبوذون أو غير مرغوب بهم، فتصبح التسلية والسخرية سلاحهم الوحيد لكسب لقمة العيش فهناك عدد كبير منهم في الجزائر، يحاول كسب لقمة عيشه سواء بتمثيل دور كوميدي بالمسرحيات أو الأفلام، هذا ما جعلنا نتحدث إلى بعض من حاولوا إبراز مهاراتهم بمجال التمثيل فمن بينهم “سليمان” البالغ من العمر 27 سنة لم تسمح له نظرة المجتمع الجارحة لا بإكمال مشواره الدراسي بفعل مضايقة الأساتذة والتلاميذ له، حيث أنه كشف لنا أن فترة بطالته دامت لسنوات فلم يمتلك من خيار سوى المشاركة بأدوار ثانوية بمسرحيات الأطفال لكي يكسب لقمة عيشه. أما الممثلة المشهورة “عتيقة” فهي من بين قصيرات القامة اللواتي فرضن وجودهن وإمتلكن إرادة قوية غيرت نظرة المحيطين بها لها، حيث كان لنا لقاء معها بأحد الأحياء وقد لاحظنا أنها تحاول الخروج بهيئة أنيقة في الشوارع، كما جهزت سيارتها بإمكانات سمحت لها بقيادتها كالأشخاص العاديين، في حين أنها حققت شهرة كبيرة من خلال أدوارها في تمثيل المسلسلات جعلتها معروفة داخل مجتمعها، حيث أخبرتنا بعد اللقاء الذي جمعنا بها أنها تعتبر نفسها شخصا عاديا كونها قادرة على القيام بما يفعله الأشخاص العاديون وهو مايساعدها على إمتلاك شخصية قوية، لكن بالرغم من أن الكثير من قصيري القامة يمتلكون مهارات تمثيلية، إلا أننا علمنا خلال حديثنا مع من يمارسون أعمالا كوميدية أن بعض المخرجين في الأفلام والمسرحيات لا يسندون إليهم سوى بعض الأدوار الكوميدية التي يتحولون فيها إلى مادة للسخرية، بينما هم في الحقيقة بشر ظرفاء بالرغم من أن كثير منهم يمتلكون مواهب حقيقية، في حين علمنا من آخرين أن ما يزرع الحزن لديهم أن المسؤولين عن الأعمال الفنية هم كذلك يعتبرونهم كمادة للسخرية والتسلية، ولايستدعونهم إلا بالأعمال الكوميدية بالرغم من قدرتهم على القيام بأعمال متنوعة كالأخرين.