صيفي للقراءة بامتياز عادة أقضي الصيف في القراءة رغم أنني لا أعتبر فعل القراءة من بين الأفعال التي يجب التقيد بها عند حضور زمن معين أو في مكان بحد ذاته، فممارس هذا الفعل المغري بمزيد من الغوص في هكذا غوايات ومعارف لا متناهية، لا يعنيه أي من هذين الحيّزين، لا سيما إذا تعلق الأمر بإنسان متيم بالكتاب ومدمن على صحبته مثلي، فشغفي الكبير بالقراءة، وتعلقي بعوالمها جعلا مني مركزا مستقبلا بامتياز، ومتلقيّا لا يأبه لأي تغيير سواء كان إضطراريا أو إختياريا للأماكن أو طبيعيا للفصول، ربما يعود بعض السبب إلى سنوات طفولتي الأولى عندما كنت أحبو إلى المكتبة العائلية حيث أحاول جاهدا العبث بعدد من الكتب التي كانت مرصوفة ومصففة بطريقة تغري من يشاهدها وتخلق لديه الرغبة في مد يده والتطفل على نظامها وألوانها المختلفة، والأكيد أيضا أنها شوق في محاولة تقليد أفراد عائلتي الذين فطموا جميعا على حب المطالعة وتصفح ما تزخر به أمهات الكتب من معرفة، كما لا أخفي إرتباطي الأول مع هذا العشق الذي ما فتئ يكبر وينمو كل يوم أكثر فأكثر، وبدايته أي/التعلق بفعل القراءة/عندما كان يعاقبني شقيقي الأكبر عند حضور موعد القيلولة ولا أنام على غرار الباقي من شقيقاتي، بضرورة قراءة كتاب ولعل قصص الأنبياء الموجهة للصغار والتي نحتفظ بها لحد الساعة في مكتبتنا العائلية شاهدة على مدى الصعوبة التي كنت أتخبط فيها، كيف لا وهو الإمتحان الصعب الذي يجب عليّ إجتيازه، والمتمثل في إجبارية تلخيص ما أقرأ في ظرف وجيز وإلا أخذت من العقوبة الضعف، كان هذا في سن السادسة، وها أنا اليوم بعد عقدين من الزمن أجد نفسي لا أستطيع النوم في ساعات القيلولة مثلما كنت صغيرا بالضبط ، إنما أقضيها كما كنت دائما في القراءة بدل الخلود إلى النوم الذي أراه مضيعة للوقت ما دام غير مستغل من طرف ممارسيه هو أيضا، وزاد ولعي أكثر عندما كنت أرافق هذا الشقيق الذي لقنني حب الحرف الأخاذ وعشق الكلمة المتوهجة والذي ساهم بشكل كبير في تكويني، إلى مقر الصحيفة التي كان يشتغل بها صحفيا فرئيس تحرير، وبدأت رحلة أخرى إلى جانب مطالعة الكتب بمطالعة الصحف أيضا، وهكذا مع مرور الأيام أصبحت متأكدا تمام التأكيد بأن القراءة هي حبي الأول والأخير والتزام روتيني لا مفر منه. وها أنا اليوم أحاول جاهدا إستغلال ما يمكن من وقت للقراءة أكثر، سواء كنت في عملي الذي يعتمد في أصله على الكتابة/الصحافة/ أو في البيت أو في الحافلة التي لا أنكر فضلها عليّ حين مكّنتني وساهمت في جعلي أنتهي من قراءة مئات الكتب التي عايشت تفاصيلها وطالعتها أثناء مسيرتي اليومية على متنها، وحين يحضر الحديث عن نوع القراءات الواجب أو التي يجد المتلقي نفسه مجبرا على إتباعها خلال فصل الصيف، أجدني لا أعترف بأي نوع من هذه القراءات التي يطلقون عليها تسمية /الخفيفة أو الثقيلة/ إنما أقرأ بشكل عادي حتى أن عطلتي السنوية هذا العام قضيت معظمها في قراءة بعض الأعمال التي يراها الآخرون لا تتناسب مع شدة الحر وفوران الدم، من جهة وبعد عام من الكد والعمل من جهة أخرى، وبوجود وسائل التبريد في البيت أو في مكان العمل، يصبح التحجج بارتفاع درجات الحرارة وتأثيرها في رغبة المتلقي وشهيته غير ذي قيمة وغير مؤسس ويصبح تبريرا ليس معلقا إلا على مشجب التكاسل، بل أراه إعترافا ضمنيا وتأكيدا على انتحال صفة قارئ في الفصول الأخرى. عطلتي الصيفية لهذه السنة والمقدرة بشهر، أعدت فيها قراءة "أحاديث الأربعاء" لطه حسين، ثم دراسة نقدية عنه كتبها "أنور الجندي" في مؤلفه المعنون ب"طه حسين في ميزان القران الكريم، ثم قرأت "الإغراءات المحمدية" للمستشرق الألماني "شتيفان فايدنر" ف "نظرات في القرآن الكريم" لمحمد الغزالي، وختمتها برواية الصديق "سمير قسيمي" المعنونة ب "هلابيل" خلال الأسبوع الأخير الذي قضيته على شاطئ البحر، هذا دون أن أنسى الكم الهائل من الصحف التي أتابعها باستمرار أو المواقع الإلكترونية التي وجدت نفسي أيضا مدمنا على زيارتها، سواء كان الفصل، صيفا أو شتاء، خريفا أو ربيعا، ومازلت مصرا على أن القراءة إبداعية هي الأخرى وليست في متناول أي شخص مثلها مثل الكتابة بالضبط.