سيكتب، وربما سيكذب التاريخ يوما، أن هذا الوطن ”الغزير” بكل أمطار النفاق، قد سار وذرف الأدمع عن بكرة أبيه وراء جنازة ذلك الأشم الذي غادرنا إلى غير رجعة، لنتدافع سلطة و”سلاطة” سياسية وراء نعشه مودعين من قلنا عنه إنه عظيم بعدما أصبح عظاما ورميما· فالأستاذ المرحوم عبدالحميد مهري الذي غادرنا منتصف الأسبوع الفارط إلى مثواه الأخير، خلف لنا فيما خلف من شقاق ونفاق وارتزاق سياسي حكمة أن هؤلاء الذين ساروا في جنازة آخر ”المهاري” المحترمين متباكين على عظمة وطهر ونقاء الرجل، مازالوا كما عرفناهم، فئة من المبتذلين الذين يحرمون حياتك من تمرة، فإذا مت فإنهم يتدافعون بعراجين التمر والثمر ليعلقوها على شاهدك بعدما يقرأوا للمرة المليون فاتحة الكتاب، ليس على روح الفقيد، وإنما على روح وطن اقترنت أهمية كباره وعمالقته بموتهم·· فبعد الرحيل أيها السادة يحدث الاكتشاف وتتجلى المناقب، أما قبل الموت فإنها لغة الحصار والنار و”الإخصاء” الشاهدة على أنهم هنا في هذه البلاد العظيمة يتقنون ويمتهنون عن جدارة و”استنعاق ”صب اللعنة على فحول ونشامى هذه التربة·· عبدالحميد مهري مات، وموته بقدر ما حمل من مصيبة لنا ولوطن تناثرت درره الواحدة تلو ”الأخيرة” فإنه بالنسبة لصاحبه الهالك فينا، ترجّل من سيد كان سيد جواده وأفكاره ومواقفه التي أحدثت خللا في منظومة حياة سياسية امتهنت منذ عشرية كاملة وكامنة موبقات النفاق والتزلف والتعبد للحاكم بزمام وأزلام الأمور، ليخرج عنها وعن سربها المغرد مهري من نوع خاص وخالص المعدن، كان سيدا وسعيد نفسه، يوم شيع وحده جنازة الباقيات من كائنات سياسية، اعتقدت وهما بأنها دفنت بالأمس رجلا هالكا، وإذا بالحقيقة أنه وحده مهري من شيعهم فرادى وجماعات يوم اختار ضفة الوطن بدلا من ضفة ”المتوطن” السياسي الذي يتقاضى أجر السمسرة الرسمية مقابل أن يبارك للراكب جوره ودوره في صياغة الأوطان على مقاس أقدام راكبيها··
بالأمس ودعوه وواروا جسده الثرى وفي جنازته التي اشتملت على تدافع جماعة ”العرجون” والمعجون السياسي، تابعنا كيف جمع الفقيد مهري في موته ما لم يستطع جمعه طيلة ثمانين عمرا من حياة صنعت التفرد، فالعجوز الذي عاش ثمانين عاما من كفاح النفس و”الرجس” المتعدد الأوجه والأشكال، قُدّر له أن يشيعه إلى مأواه الأخير جمع ممن لم يعيشوا ولو يوما واحدا رغم أعمارهم المتفاوتة الحجز على مائدة السلطة، حيث المواقف ”سلاطة” يدرها السلطان على من هو مولاهم ومولى ”نهمهم”· فما أعظم الأستاذ عبد الحميد مهري، وما أصغر الوطن الذي يرمم مظالمه لكباره بكرم العراجين، بعد أن يقضي فيهم الموت أمرا كان مقدورا··
كانوا بالعشرات والمئات، وكانوا لسانا واحدا لجنازة واحدة لم يكن من مقبور لها إلا ”مهري” متميز، قبل أن ينتهي إلى مثواه كان قد رسخ في الآخرين أنهم ”غابرون” ومقبورون منذ قايضوا الموقف بال”معلف” السياسي، ليدفن هو ويواصلوا هم مماتهم سيرا على أقدام التي لم تعد تحتمل ثقل أجسادهم··
ماذا يمكن أن نسمي وطنا يكرم النخيل بتعليق عراجين التمر في أعاليه؟ وأين نضع ذلك التباكي على مهري دفنوه حيا يوم وصموه بالكفر، لأنه واجه قومه بأكثر من صداح اختزله في: أليس بينكم رجل رشيد؟ وهل من الممكن أن يغفر لهم ذلك الراحل قهرهم له يوم رجموه في أكثر من واقعة ”وقع” سياسي بعدما وقف ضدهم مناشدا فيهم وطنا رآه يتهاوى أمامه بعدما عاش لأجله ثمانين حولا مدافعا ومرافعا و”مزارعا” لخدمته،·· لقد قتلتم مهري ويكفينا دليلا متجنيا أننا شاهدنكم تتدافعون على جنازته صغارا يوم رحل هو كبيرا، مخلفا لكم صوركم الباهتة يوم صادرتم من عمره الحق في أن يحب ويعشق الوطن بعين غير ”مائدتكم” ومودتكم للحاكم وللحالم بالحكم··
الفرق بين مهري و”الأخيرين” ممن مازالوا ينتظرون دورهم في مشهد وشاهد ”العرجون” والتمرة أن تميز العجوز تجلى في ممارسته التامة لصلاحياته كمواطن أشم، لم يلتزم الصمت ولم يتنازل قيد أنملة عن مواطنته في انتظار هاتف مهم ”يكفله” ويكلفه بمهمة انتخابية ما، فهو عكس جيله من سياسيين ”منتظرين” من أمثال مولود حمروش وبن فليس والإبراهيمي، لم يعترف بالتوازنات ولم يساوم على الوقت وكان دائما وأبدا يكون حيث يجب أن يكون ”مهري”، لا الآخرون··
للأسف أصبنا في هرم من أهرام البلاد وإصابتنا أكبر من الفاجعة، ليس لأن العجوز الكامل الأوصاف هلك فالموت سنة الله في خلقه، ولكن لأن الوطن أصابه موت العجوز في ”عجز”، فمن بعد مهري ونظافة يد وفكر مهري يمكنه أن يواجه السلطة بأدرانها ولا يخشى أن يخرجوا له ملفا من الأرشيف ليكشفوا له لعابه وأطماعه ونزواته القديمة والجديدة··· وآخر الكلام والنعي لأنفسنا هل تعلمون أن الوطن علق ”عرجون” تمر لنخلة ظلت مصدر الثمر؟ وهل تدرون أن مكمن مصابنا الجلل أننا فقدنا رجلا ظل منذ ميلاده إلى لحظة مواراته طفلا بلا نزوات إلا ”نزوة” الوطن؟ فرحمة الله عليك يا سيدنا الكبير، فلقد هلكت وبعد هلاكك الله وحده يعلم مآل النسل والحرث و”عراجين” التمر المجمدة حتى إشعار بوفاة أخرى ل”مهاري” آخرين منعوا عن حياتهم تمرة خدمة لعرجون سيعلقونه على شواهدهم يوم يموتون··