في هذه الأيام العصيبة التي نحياها جميعا، نحن الجزائريين على قلب رجل واحد، مشدودون جميعا إلى مريخ أم درمان، حيث المقام الفصل والمقال الأفصل بين منتخبنا الوطني والفريق المصري في مباراة قد تسجل في ''غينيس'' لأنها لقاء في السياسة، ولكن هذه المرة بلغة الأرجل الذهبية· مباراة تنتمي في الظاهر إلى الرياضة، ولكنها وبعد أن رفعت الأكف المصرية الحجر بوجه الفريق الوطني الذي يمثل أكثر من 53 مليون جزائري، وعاد مناصرون جزائريون في التوابيت هذه هي الحقيقة المرة و الفاجعة الكبرى بعد كل هذا وما خفي لا شك أعظم سيكون اللقاء بروح تنزف ألما وغضبا مما اقترفت يد العابثين هناك بالجزائريين أرواحا وتاريخا ورموزا وسيادة· الغريب في كل هذا الذي حدث أن الخطاب الإعلامي المصري ما زال يصول ويجول بطريقة دونكيشوتية مقرفة، صابا جام شوفينيته على الجزائر، واصفا شعبها ب ''المتعصب فطريا'' و''المتطرف''، هذا جاء البارحة في تلفزيوناتهم على لسان خبرائهم الذين حمّلوا كل الإنزلاقات التي حدثت للإعلام الجزائري يكيلون له تهما لا تعد كثرة في مقدمتها اللاكفاءة واللامهنية وضعف المستوى الثقافي لدى المسؤولين على الإعلام، أما هم فأقدس من القداسة· أمام ما حدث وما هو ممكن الحدوث في ''مريخ'' السودان، وقد بلغت القلوب الحناجر، نقول بهدوء·· فلتتحمل الشوفينية المصرية بذرها الرديء، نقول لهذه الذات المتضخمة المتورمة آن لك أن تعيدي قليلا من الحساب مع الجزائر التي ظلت رغم الداء والأعداء بلاد المقاومات والحريات ومنتجعا لأحرار العالم ، مع بلد ما زالت يده بيضاء على كثير من الشعوب الشقيقة لا تزايد بذلك لأنها تعرف حقا معنى السيادة، وتقدر الحرية حق قدرها، وتحفظ لأخوة الإسلام والإنسانية كرامتها وماء وجهها، ولكنكم لم تقدروا الجزائر حق قدرها واهمين، والعدل لا يلتفت للواهمين· ها هنا ستشرب الشوفينية المصرية عصير السم الذي كان صنيعتها وخيبتها في ذات الإبان، وهل كان يتصور هؤلاء أن الجزائري سيصفع في مصر على خده الأيمن فيهب صافعوه خده الأيسر قربانا للعروبة كلمة صارت عاهرة جرباء تبعث على القيء لأن أكثر من يستعملها يتبول عليها في اليوم آلاف المرات· في إحدى قنوات النيل التي جندت عن بكرة أبيها أياما قبل مباراة ال41 نوفمبر المأساوية وأثناءها ولا تزال ''ريمة على عادتها القديمة''، وعلى هامش مهرجان السينما الدولي، استوقفت صحفية ''النيل'' الفنان أحمد ماهر وسألته كيف شاهد المباراة، فقال بالحرف الواحد ''في الدقائق الأخيرة بلغت درجة من اليأس لا تطاق، رفعت رأسي للسماء وقلت: يا الله إحنا مصر''، لا أعتقد أن أحمد ماهر يجهل أن الله الذي دعاه هو الله الذي نسجد نحن له أيضا، اللهم إلا إذا كان لا يعلم أننا ندين بالإسلام، وأمام ذلك الكلام أحسست أن المصريين لم يكونوا أمام مباراة في كرة القدم، وإنما كانوا أمام معركة حامية الوطيس مع عدو غاشم، هل اشتاق المصريون للحرب بعد كامب ديفيد، ربما، ولكن الأكيد أن عدو الأمس لا يمكن أن يكون صديقا حميما إلا خارج عقل المنطق· بالمناسبة هل رأيتم أو سمعتم كلاما فارغا كهذا، وفي حال تقبلنا لشوفينية المصريين المعتوهة في أكثر الأحايين على مضض وتجوز، هل يمكننا أن نستسيغ أن يكون الخطاب المصري شوفينيا حتى مع ''الله'' جلّ في علاه، لعمري إنه العته بعينه وأذنيه· بعد أن سقطت الشوفينية المصرية في خيبتها العامة، ولا يبدو أنها تريد أخذ قليل من دروس الحياة، وأن تلتفت يمنة ويسرة لتعي أن زمن الجبروت قد أعطاهم عمره، هل حنطت جبروتها كما فعل أجدادهم الفراعنة، يبدو ذلك بجلاء كالشمس في ضحاها، الآن وقع المحظور ولنستمع إلى لغة ''الرفس'' المحاربة ما دامت الكرة الساحرة تكشف النوايا الداعرة في هذا الزمن الكروي البائس·